جوانا فرحات
المركزية – خطوة دبلوماسية مهمة طال انتظارها. ففي لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تقدمت وزارة الخارجية اللبنانية بردّود لبنانية رسمية على ثلاث رسائل رفعتها ايران أمام مجلس الامن، تتضمن اتهاما بتدخل إيران في الشؤون الداخلية اللبنانية، وخرق اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، و"توريط لبنان" في الحرب الأخيرة عبر دعم عمليات عسكرية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله، واستخدام الغطاء الدبلوماسي لأغراض غير دبلوماسية، وأخيراً تقديم روايات "غير دقيقة" إلى الأمم المتحدة بشأن دبلوماسيين إيرانيين قُتلوا في بيروت.
رد الخارجية اللبنانية الثلاثي جاء لدحض ما ورد في الشكوى التي تضمنتها الرسائل الإيرانية إلى مجلس الأمن وتتعلق أساسًا بمقتل دبلوماسيين ومسؤولين إيرانيين في غارة إسرائيلية استهدفت فندق "رامادا" في بيروت خلال الحرب الأخيرة، وادعت فيها أنها كانت قد أبلغت وزارة الخارجية اللبنانية مسبقًا بانتقال الدبلوماسيين الإيرانيين إلى الفندق، وكانوا يقومون بمهام رسمية ويتمتعون بحماية دبلوماسية، وحمّلت إسرائيل مسؤولية استهدافهم، كما طلبت تسجيل الحادثة اعتداء على بعثة أو شخصيات دبلوماسية إيرانية.
لكن السؤال الأهم يبقى، هل سيؤخذ بالشكوى عمليا وما هي تداعياتها على مسار المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية؟
مثنياً على الخطوة الشجاعة ولو المتأخرة التي اتخذها وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي والقائمين على العمل الدبلوماسي اللبناني بتقديم الرد ضد ايران وتدخلها المستمر في شؤوننا الوطنية، يقول السفير السابق هشام حمدان" لا أتصور ان يكون لهذه الخطوة أثر مختلف عن الذي تركته قرارات الحكومة اللبنانية ورئيس الجمهورية جوزاف عون في مسألة استعادة القرار الوطني بشأن الوضع على الجبهة الجنوبية وايضا تجريم الأعمال العسكرية لحزب الله وكذلك مواقف واحتجاجات وزير الخارجية المتكررة ضد التدخل الإيراني في الشأن اللبناني".
ويضيف "يتبيّن من الموقف الإيراني الذي ارتقى إلى الشكوى على لبنان في مذكرة إلى مجلس الامن ان ايران تتعامل بعدوانية مع السلطة اللبنانية وهي لن تتردد في إعاقة أي اجراء تقوم به هذه السلطة. وهذه الشكوى تأتي بمثابة إشعار لمجلس الامن وفي اطار اعلامي لم يهدف بعد لأخذ منحى المطالبة بموقف في المجلس من الممارسات الإيرانية. فالمذكرة المقدمة من وزارة الخارجية أشارت إلى انتهاكات لاتفاقية فيينا بينما ما تقوم به ايران يرقى الى العمل العدواني وفقا لتعريف قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1973 للأعمال العدوانية، وايضاً المادة 5 مكرر من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية".
إنطلاقا من ذلك، يختم حمدان أنه "على الدبلوماسية اللبنانية طلب عقد جلسة لمجلس الأمن لمناقشة العدوان الإيراني المستمر على السيادة الوطنية واتخاذ قرار بإدانة هذا الموقف وإلزام إيران بوقف التدخل في شؤون لبنان على غرار القرار المتخذ في عدوانها على دول الخليج. ولطالما طالبنا بضرورة ملاحقة ايران ليس فقط لدفع التعويضات، بل للمساءلة لما سببته من قتل ودمار وتشريد للمواطنين اللبنانيين عبر إنشاء وتكوين وتسليح وتدريب وقيادة مجموعة ميليشياوية مخالفة للدستور والقانون تقوم بأعمال قتالية ضد لبنان وشعبه وايضاً ضد دول اخرى من داخل الاراضي اللبنانية".
الثابت أنها المرة الأولى التي تستخدم فيها الدولة اللبنانية، ولو بصورة غير مباشرة، لغة رسمية توحي بتحميل إيران جزءًا من المسؤولية السياسية أو القانونية عن توريط لبنان في تداعيات المواجهة العسكرية الأخيرة، وكأنها بذلك تحاول إعادة تثبيت مفهوم "السيادة اللبنانية" أمام المجتمع الدولي، خصوصا بعد الاتهامات التي طالت لبنان بأنه تحول إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. فماذا عن التداعيات في الداخل اللبناني؟
مصدر مطلع يؤكد لـ"المركزية" أن هذه الخطوة قد تخلّف انعكاسات سياسية معقدة. فالقوى السيادية تعتبر أن الرسالة تشكل محاولة متأخرة لكنها ضرورية لإعادة تصويب موقع الدولة اللبنانية وإثبات أنها ليست بالكامل تحت النفوذ الإيراني. في حين تنظر القوى الحليفة لطهران، وفي مقدمها حزب الله، إلى الخطوة باعتبارها استجابة لضغوط أميركية تهدف إلى تحميل إيران مسؤولية الحرب الأخيرة وإعادة رسم التوازنات الداخلية في لبنان.
أما إقليميًا، فتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية بسبب تزامنها مع الحراك الأميركي المتصل بالمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية الجارية في واشنطن. فالإدارة الأميركية تسعى منذ أشهر إلى بناء مسار تفاوضي أوسع يتجاوز ملفات الحدود التقنية، ليشمل ترتيبات أمنية وسياسية طويلة الأمد على الحدود الجنوبية. وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى الموقف اللبناني الجديد على أنه محاولة لتقديم أوراق اعتماد سياسية للولايات المتحدة، عبر الإيحاء بأن الدولة اللبنانية تحاول النأي بنفسها عن القرار الإيراني المباشر.
وتختم المصادر بالإشارة إلى أن التأثير سيكون سياسيًا أكثر منه تقنيًا. فمن غير المتوقع أن يؤدي الرد اللبناني إلى تعطيل المفاوضات، بل على العكس قد يمنح الوفد اللبناني هامشًا أوسع للتحرك أمام الأميركيين، عبر إظهار وجود تمايز ولو محدود بين موقف الدولة اللبنانية الرسمي وبين النفوذ الإيراني داخل لبنان. وهذا الأمر قد يساعد واشنطن في تسويق استمرار المفاوضات مع بيروت أمام إسرائيل والكونغرس الأميركي.
إلا أن المخاطر تكمن في مكان آخر. إذ إن أي تصعيد سياسي بين لبنان وإيران قد يدفع حزب الله إلى التشدد ميدانيًا أو سياسيًا، خصوصًا إذا شعر أن هناك محاولة دولية لاستثمار الظرف الإقليمي لعزل طهران داخل الساحة اللبنانية. كذلك، فإن إسرائيل قد تستفيد من هذه الرسائل لإبراز روايتها التقليدية بأن لبنان واقع تحت تأثير صراعات إقليمية تتجاوز سلطة الدولة المركزية.






