في هذا الوقت الضائع من عمر البلد وأهله، تتراكم في الأوساط الشعبية والسياسية أسئلة وعلامات استفهام حول سرّ الخمول القابض على عنقِ التأليف، وحول هوية «راجح» الممسِك بزمام التأخير والمانع لأيّ خطوة تتقدّم في اتجاه التعجيل في هذا الاستحقاق. ما يرسّخ أكثر القناعة الراسخة أصلاً لدى الناس بأنّ الحكومة العتيدة والموعودة، مركونة إلى أجلٍ غير مسمّى على رفّ انتظار أن تأتي يدٌ سحرية تأمر بإنزالها عن هذا الرف، وتُحرّر التأليفَ من قبصة التعطيل، وتضع حدّاً للمهزلة التي أدخَلوا فيها البلد، وحجَبوا فيها تقصيرَهم وعدم مبادرتهم لا بل تقاعسَهم في التصدّي الجدّي لاستحقاق التأليف، بإشغال البلد بملفّات أقلُّ ما يقال فيها إنّها مشبوهة، على ما حصَل تحديداً في «فضيحة» مرسوم التجنيس، التي نزَعت آخِر ورقةِ توتٍ عن شعارات ومبادئ صُنِّفت يوماً بأنّها إنقاذية ومثالية.
وعلى رغم الإيجابيات الشكلية التي يحاول بعض فريق طبّاخي التأليف، ان يملأ فيها الفراغ الداخلي، فإن اجواء المطبخ الحكومي لا توحي بقربِ الولادة الحكومية، وهذا ما تؤكّده مصادر رسمية رفيعة المستوى، إذ ان الخشية الكبرى هي من الدخول في دوّامة لا مخرج منها.
ونُقل عن المصادر قولها "علّقنا آمالاً على تكليف الرئيس سعد الحريري الذي وَعد بحكومة سريعة، لكن الوقائع التي توالت منذ التكليف وحتى اليوم، تؤشّر إلى أن لا حكومة بعد العيد مباشرة، بل لا حكومة خلال الشهر الجاري، وسينقضي شهر حزيران من دون أن تولد الحكومة، وفي هذا الجو، سيَجرُّ الشهر الضائع خلفَه شهراً ضائعاً مِثله، وعلى هذا المنوال سيبقى البلد معلّقاً على حبال مملّعة، تدير زمامَه حكومةٌ لا حول لها ولا قوّة، ولا تملك حتى الحد الأدنى من القدرة على الإدارة وتصريف الأعمال.
وإذا كانت الأجواء الرئاسية تؤكّد استعجالَ رئيس الجمهورية ميشال عون بلوغَ حكومة في أقرب وقت ممكن وتجاوزِ كلّ المطبّات التي يمكن أن تمثلَ في طريق التأليف، فإنّها تتناغم مع تأكيدات الرئيس المكلّف سعد الحريري بتركيزه على التأليف إنّما بشكل هادئ، والمهم هو الإنتاجية وليس هذه الحقيبة الوزارية أو تلك. وهو ما عكسَه من موسكو أمس، بعد لقائه الرئيسَ الروسي فلاديمير بوتين.
بري: وأما أجواء عين التينة، فتؤشّر إلى مراوَحةٍ قاتلة على خط التأليف، والرئيس نبيه بري يصرّ على قوله بأن محرّكات التأليف لم تشتغل بعد، وهذا يعني أن ما أشيعَ في الأيام الأخيرة حول صيغٍ ومسوّدات طرِحت على خط التأليف لا أساس له.
وعندما سُئل بري عن هذه الصيَغ والمسوّدات نفى عِلمه بها، وقال "ما عندي خبر.. انا مِن جهتي سبقَ وقلتُ إنني أريد الحكومة الأمس قبل اليوم، وتوافَقنا في اللقاء الرئاسي في بعبدا على ان تولد الحكومة في اقرب وقت ممكن، وعلى ضرورة ان تقوم القوى السياسية كلها بتسهيل هذه الولادة. لكنني اليوم، وفي ظل الجمود الموجود، لا ارى اجواء مشجّعة حول قربِ ولادة الحكومة، ولا أرى امامي شغلاً على صعيد التأليف، ذلك أن المحرّكات لم تشتغل أصلاً بعد، وما زالت حتى الآن معطّلة بالكامل.
وعمّا إذا كانت قد عُرِضت عليه مسوّدات أو تصوّرات، قال برّي "لا شيء من هذا القبيل، لقد حصَل نقاش وحيد بيننا ككتلةٍ نيابية وبين الرئيس المكلّف خلال المشاورات التي اجراها بعد تكليفه تشكيلَ الحكومة، ويومها طرَحنا أمامه رؤيتنا وما نريده في الحكومة الجديدة، وأبلغناه أننا كما هو واضح أن كل النواب الشيعة جعلتهم نتائج الانتخابات من حصة "حركة امل" و"حزب الله"، وبناءً على ذلك حصّتُنا في الحكومة هي 6 وزراء في حكومة موسّعة (30 وزيراً)، 3 وزراء لـ"أمل" و3 لـ"حزب الله"، ولنا طبعاً مِن بين الوزارات التي ستكون من حصّتِنا وزارةٌ سيادية من حصّة "أمل" وهي وزارة المالية، وحقيبة خدماتية أساسية تكون من حصّة "حزب الله"، وهي وزارة الصحة.
وعمّا إذا كان الحديث قد تناوَل الفصلَ بين الوزارة والنيابة، قال بري "لا، لكن في هذه المسألة أنا شخصياً لا اقبل بهذا الفصل، هذا الأمر يجيزه الدستور ومنصوصٌ عليه في الدستور، وبالتالي الذهاب نحو هذا الفصل يتطلّب قبل أي شيء إجراءَ تعديل دستوري، لذلك أنا شخصياً لستُ في هذا الوارد.
وردّاً على سؤال، قال "الأمل مقطوع في أن تتشكّلَ الحكومة قبل عيد الفطر. ومع حلول العيد يعني الدخولَ في عطلة لمدة أسبوع على الأقل، وفي هذه الحال إن لم ألمس إيجابية في الأيام القليلة المقبلة، فليس هناك ما يَمنعني من أن أسافر بزيارة خاصة لبعض الوقت".






