شكلت الاعتداءات المتكررة التي تستهدف العاملين في الرعاية الصحية، والمسعفين، والمرافق الصحية، ووسائل النقل الطبي في مختلف المناطق، محور مراسلة نُشرت في مجلة The Lancet بقلم وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين والباحثة في الجامعة الأميركية في بيروت ومديرة برنامج MENA PAIR الدكتورة سمر الحاج، بعنوان: "When health-care workers become the target in Lebanon" (عندما يصبح العاملون الصحيون هم الهدف في لبنان).
سلطت المراسلة الضوء على ما تسببت به الإعتداءات المتكررة على العاملين الصحيين والمرافق والمؤسسات الصحية من تعطيل شديد في النظام الصحي في البلاد، ما يثير مخاوف ملحّة بشأن حماية الرعاية الصحية بموجب القانون الدولي الإنساني أثناء النزاعات المسلحة.
وجاء في المراسلة أن "أنماط الاعتداءات التي سُجّلت خلال حرب عام 2024 على لبنان عادت إلى الظهور خلال حرب عام 2026، بما يشير إلى اعتداء مستمر ومثير للقلق البالغ على منظومة الرعاية الصحية في لبنان. ولا تقتصر آثار هذه الاعتداءات على العاملين الصحيين أو المرافق الطبية بصورة مباشرة، بل تمتد لتطال كامل مسار الرعاية، بدءاً من الاستجابة الإسعافية ما قبل دخول المستشفى، مروراً بالعلاج داخل المستشفيات، وأنظمة الإحالة، وإعادة التأهيل، وصولاً إلى الرعاية الخارجية طويلة الأمد، مما يشكل مؤشرًا على تعطيل ممنهج لمنظومة الرعاية".
وأوردت المراسلة أنه حتى "14 حزيران 2026، تم الإبلاغ عن ما مجموعه 172 اعتداءً على خدمات الإسعاف والطوارئ، أسفرت عن استشهاد 133 عاملاً في الرعاية الصحية وإصابة 402 آخرين. كما تضررت 173 آلية إسعاف وطوارئ و38 مرفقاً صحياً. وتعكس هذه الاعتداءات الكلفة الإنسانية للنزاع، فضلاً عن الضرر البنيوي الذي لحق بالأنظمة المسؤولة عن تقديم الرعاية الطبية العاجلة والمنقذة للحياة".
الوزير ناصر الدين: توثيق الإعتداءات وضرروة الحماية
وأكد وزير الصحة "أن حماية الرعاية الصحية أثناء النزاعات المسلحة هي التزام أساسي بموجب القانون الدولي الإنساني وضرورة من ضرورات الصحة العامة"، مشددا على "وجوب حماية العاملين في الرعاية الصحية، وسيارات الإسعاف، والمستشفيات، والعيادات، والمرضى في جميع الأوقات" ومؤكدًا "الحاجة الملحّة إلى توثيق هذه الاعتداءات، وضمان المساءلة، وحماية الكوادر الصحية والبنية التحتية الصحية، واستعادة استمرارية الرعاية في مختلف أنحاء لبنان".
وقال: "إن حماية الرعاية الصحية أمر أساسي للحد من الاصابات والوفيات التي يمكن تفاديها، وللحفاظ على الحياة والكرامة وقدرة المجتمع على الصمود أثناء النزاعات وبعدها".
وذكرت المراسلة بطرح تداعيات الاعتداءات على الرعاية الصحية في لبنان على مستوى السياسات الدولية، عندما قدّم وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين ففي 20 آذار، مشروع قرار إلى جمعية الصحة العالمية، سلّط فيه الضوء على التعطيل الشديد لخدمات الطوارئ ورعاية الإصابات، وإغلاق مراكز الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات، والنقص في الأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية. وتم تبنّي القرار الذي أكد أن الاعتداءات على الرعاية الصحية لا تطال المرافق والأفراد بصورة منفردة فحسب، بل تمسّ أيضاً الأداء العام للنظام الصحي، بما يؤثر في قدرة المرضى على الوصول إلى الرعاية العاجلة، والعلاج الروتيني، وخدمات الإحالة، واستمرارية الرعاية.
الحاج
وقالت الدكتورة الحاج "إن العاملين في الرعاية الصحية في مناطق الحرب هم خط الدفاع الأول، وغالباً الأخير، لحماية المصابين. فعندما يُستهدف المسعفون والممرضون والأطباء وسيارات الإسعاف والمستشفيات، تمتد التداعيات إلى ما هو أبعد من الخسارة المباشرة في الأرواح. فكل اعتداء يُضعف قدرة النظام الصحي على إنقاذ الجرحى، وتثبيت الحالات الحرجة، وضمان استمرارية الرعاية، ودعم مسار التعافي. لذلك، فإن حماية العاملين في الرعاية الصحية ليست فقط التزاماً قانونياً وإنسانياً، بل شرط أساسي للحفاظ على الحياة والكرامة والوصول إلى الرعاية أثناء النزاعات".
الاعتداءات تقوّض استمرارية الرعاية على مستوى النظام الصحي بمجمله
أضافت المراسلة التي نُشرت في مجلة The Lancet بقلم الوزير ناصرالدين والحاج، أن خدمات الإسعاف والطوارئ تُعدّ غالباً نقطة الاتصال الأولى للمدنيين المصابين، إذ تؤدي دوراً حاسماً في ضمان حصولهم على العلاج في الوقت المناسب. وبالتالي، فإن الاعتداءات على سيارات الإسعاف، والمسعفين، وفرق الطوارئ تؤدي إلى تأخير وصول المرضى إلى الرعاية الحرجة خلال المرحلة الأكثر إلحاحاً. كما أن الأضرار التي تلحق بالمستشفيات والمرافق الصحية تحدّ من توافر الخدمات الأساسية، بما في ذلك الجراحات الطارئة، والعناية المركزة، وخدمات صحة الأم، وإدارة الأمراض المزمنة، والعلاجات التخصصية. كذلك، تعيق الانقطاعات في نظام الإحالة نقل المرضى إلى المرافق والخدمات المتخصصة اللازمة لعلاجهم، فيما يمكن أن تؤدي الاضطرابات في خدمات إعادة التأهيل والرعاية الخارجية إلى إطالة فترة التعافي والمساهمة في تفاقم النتائج الصحية السلبية. وبصورة مجتمعة، تقوّض هذه الآثار استمرارية الرعاية على مستوى النظام الصحي بمجمله.
لذلك، فإن الاستهداف المستمر للبنية التحتية الصحية في لبنان وإلحاق الضرر بها يهددان وصول السكان كافة إلى الخدمات الأساسية، غير أن آثار ذلك تكون أشد وطأة على الفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك الأطفال، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى المصابين بأمراض مزمنة، والنازحين الذين غالباً ما يواجهون عوائق إضافية في الوصول إلى الرعاية. وفي الوقت نفسه، يتحمل العاملون في الرعاية الصحية أعباء نفسية وتشغيلية وأخلاقية هائلة أثناء عملهم في بيئات صعبة وتحت ظروف أمنية متدهورة.






