طوني جبران
المركزية – لم يكن متوقعا ان يمر التوقيع على "اتفاق الإطار " بين لبنان وإسرائيل أول أمس الجمعة من دون ان تكون له تداعيات كبرى على الساحة اللبنانية وفي المنطقة على حد سواء. فمع الحديث عن إمكانية انطلاق "مسار واشنطن" في الاتجاه الذي قادت اليه المساعي الأميركية لم يكن مضمونا ان تبقى ردات الفعل من أنصار "مسار إسلام آباد" هادئة وطبيعية. اذ يستحيل ان يقر أي منهم بالتقدم الذي تحقق في اتجاه إقصائه بالطريقة التي جاء بها الاتفاق على الرغم من انه لم يحمل جديدا لم يكن مطروحا من قبل، وخصوصا الإصرار الدولي والإقليمي على جعل موضوع سلاح حزب الله مفتاحا لكل الخطوات الانفراجية ولا سيما تلك التي تؤدي الى إنهاء الاحتلال واستعادة السيادة اللبنانية حتى آخر شبر من الأراضي اللبنانية.
على هذه الخلفيات، كشفت مراجع ديبلوماسية وسياسية بقيت حتى ليل أمس على تماس مع طرفي الصراع في لبنان لـ "المركزية" ان هناك اكثر من سيناريو يوحي بأن هناك عملية شد حبال كبيرة وقاسية على الساحة اللبنانية تنذر بتحولات كبرى قد تؤدي الى توتير الوضع الأمني كمبرر للوصول الى تطويق ما يمكن ان يؤدي إليه من انهيار لمحور المتمسكين بالسلاح غير الشرعي، بعد ان تعبوا في ربطه بمصير الطائفة الشيعية في لبنان والمنطقة عبر مكوناتها الطائفية والسياسية والحزبية كافة وبطريقة ألّبت الجميع على السلطات الدستورية والدولة ومؤسساتها بطريقة ليس من السهل تجاوزها او التخفيف منها.
وقالت هذه المراجع في محاولتها لتفسير الظروف التي قادت الى ما نحن فيه في الساعات القليلة الماضية ان التعبئة وحالة التشنج التي ولدها الاتفاق لدى الطائفة الشيعية باتت تهدد بانفجار الوضع في أي لحظة بعدما جندت لها الأقلام والوجوه والألسن على جميع المستويات، ولم تنفع المحاولات التي جرت للتخفيف منها قبل التوصل الى أي تفاهم بهذا الحجم. ذلك ان كل الجهود التي بذلت على محور عين التينة من أجل التهدئة انتهت الى الفشل ولا سيما إن صحت التسريبات التي قالت أن "الاخ الأكبر" الناطق والمفوض باسم "نصفه الثاني" في "الثنائي الشيعي" نبيه بري لم يكن غائبا عن الطروحات التي سادت في الأيام القليلة الماضية وحتى ربع الساعة الأخير الذي سبق "الولادة القيصرية" بأدق تفاصيلها.
لذلك، قالت المراجع عينها انها وفي مقابل فهمها للخلفيات التي حملتها مواقف قيادات "حزب الله" من امينها العام ونوابه وصولا الى الناطقين باسمه والذي يدورون في فلكه مضافة الى القيادات الروحية في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى والافتاء الجعفري، بما حملت من هجوم واتهامات لا يمكن ان تقنع قسما كبيرا من بيئتهم، قبل البحث عن ردات فعل أكثرية اللبنانيين من كل طوائفهم وفئاتهم ،عبرت عن استغرابها لما كان عليه موقف الرئيس بري وما قصده بتعليقه المختصر بما حمله من ايحاء بـ "الفتنة"وكأنها واقعة حتما. قبل ان يصدر عن المكتب السياسي للحركة التي يرأسها بيان كرر فيه مواقف قديمة لم تغير التطورات المأساوية التي لحقت ببيئته من مدى إصراره على بعض "المستحيلات"، متجاهلا ما وفره التفاهم من ملاحظات حملها الى كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والتي نفذ اكثريتها الوفد المفاوض في متن البيان إن أراد البعض التمعن في الكثير من بنوده، بدلا من التوقف عند القشور والعناوين البراقة والشعارات الجهادية التي كان يمكن تفهمها و"بلعها" لو كان "الثنائي الشيعي" هو المطالب بسحب قوات "الرضوان" و"عزيز" و"بدر" من "الجليل الأعلى" و "عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة"، ولن يفرج عن عشرات الاسرى الاسرائيليين ان لم تلبَ مطالبه. والاسوأ انه تجاهل ما ادى رفض "حزب الله" ومن خلفه وامامه قيادة الحرس الثوري الإيراني لمسلسل اتفاقات وقف النار السابقة قبل ان يتوسع الاحتلال ليتجاوز مجرى نهر الليطاني، ووصوله على أعتاب مدينتي صور والنبطية، عدا عن المجازر التي تسبب بها انتشار قادته وغرف عملياته بين المدنيين في بيروت ومناطق مختلفة من لبنان.
ومن دون الدخول في الكثير من التفاصيل والمواقف التي تعزز هذه القراءة السلبية، لفتت المراجع الى أن على "الثنائي الشيعي" ان يفهم ان الرهان على الموقف الإيراني وربط مصير لبنان بالمحور الذي تقوده إيران ليس اوانه ولا زمانه ولم يعد ينفع، لأنه لم يجن سوى المزيد من الخيبات وقد أدى الى ما يكفي من النكبات. فالبلد لا يمكنه ان يحتمل أكثر مما تحمله حتى اليوم نتيجة إسناده "المتواضع" للجمهورية الإسلامية الإيرانية والثأر لمقتل المرشد الأعلى علي الخامنئي بعدما انتهت اليه الحروب السابقة "إسنادا لغزة" وعلى "طريق القدس" وما بينهما وبعدهما من حروب متقطعة وما حملته من شعارات لم تعد تحمل معانيها بعدما انتهت الى عكسها.
وقياسا على ما تقدم، يبدو لهذه المراجع ان المخاوف من انفجار أمني داخلي وما يعزز امكان القيام باي "مغامرة" يمكن أن يخوضها أحد من أصحاب "الرؤوس الحامية"، باتت في عهدة القوى الإقليمية والدولية التي يمكن ان تشكل وسيلة ضغط تمنع "قيادة الحرس الثوري الإيراني" وخبرائها ومستشاريها ومقاتليها في لبنان من القيام بأي "دعسة ناقصة" قد تجر البلاد الى حيث لا يريد احد من بيئتهم اللصيقة قبل الفئات الاخرى المتضامنة معه او تلك التي استضافتها وتحملت تكلفة حروبها وأوزار رهاناتها الاجرامية.
وختاما تعترف هذه المراجع ان التأييد الغربي والعربي والخليجي خصوصا لتوقيع الاتفاق مع اسرائيل، لم ولن يقف هذه المرة عند الاقوال وان هناك خطوطا تحذيرية فتحت بين بعض هذه العواصم ومن يجب ان يبلغوا بالمحاذير الناجمة عن أي خطوة غير محسوبة النتائج وما يمكن ان تكون لها من ردات فعل، ومن اعتقد ان بقدرته اللجوء الى أي من القيادات الخليجية التي فتحت خطوطا مع "الثنائي الشيعي" لتبني الخطوات المرفوضة، سيكون ثمنها غاليا جدا قياسا على موقفهم الذي لم يتغير من توصيف الحزب بالـ "منظمة الارهابية" ، ولن يتوقعوا أي تكلفة يحصدونها إن تجرأ احدهم على المس بالسلم الأهلي او بالمواقع الرئاسية والحكومية السيادية في البلاد.






