كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:
منذ عام 1943، منذ يوم الاستقلال، دخل المرض مع “الهدية” التي وُهِبت لنا.
لم تكن ولادة دولة سليمة، بل قيام كيان مرفق بعلّةٍ بنيوية، كبرت مع الزمن، وتحوّلت من خللٍ سياسي إلى مرضٍ مزمن ينهش الجسد الوطني.
لم تعد تنفع المسكّنات،
ولا البيانات،
ولا التسويات المؤقّتة،
ولا إعادة تدوير الوجوه نفسها تحت عناوين جديدة.
كلّ يوم ينهار أكثر.
والتشخيص واضح لا يحتاج إلى اجتهاد:
ورم الفساد ومشتقّاته،
فساد في السلطة،
فساد في الإدارة،
فساد في الضمير قبل أي شيء آخر.
هذا المرض لا يُعالج بالخطابات ولا بالشعارات الطائفية.
العلاج يحتاج إلى قرار سياسي بحجم الجراحة،
إلى جرأة استئصال،
إلى محاسبة حقيقية تطال المسبّبين،
وكلّ من شارك،
وكلّ من غطّى،
وكلّ من صمت حين كان الصمت خيانة.
لبنان ليس ملكًا لطائفة،
ولا إرثًا سياسيًا،
ولا عقارًا تتصرّف به جماعة كأنّها وصيّة على الآخرين.
لبنان قام على مبدأ الشراكة،
وسقوطه بدأ يوم ضُرب هذا المبدأ،
ويوم استُبدلت الدولة بالحصص،
والوطن بالغلبة.
لكن، وسط هذا الخراب، تبقى حقيقة أعمق من السياسة نفسها:
لبنان ليس مجرّد كيان إداري.
لبنان هذه الأرض وقفٌ لله،
أُعطيت للناس ليحفظوها لا ليغتصبوها،
وليخدموها لا ليذبحوها على مذابح المصالح.
لذلك، نعم، المعركة سياسية،
لكنّها في جوهرها أخلاقية وروحية.
والإصلاح لا يبدأ فقط من القوانين،
بل من ضميرٍ يستيقظ،
ومن خوفٍ حقيقي من الله قبل الخوف من الناس.
ومهما عصفت الرياح،
ومهما طال المرض،
فخلاص لبنان لا تصنعه الصفقات وحدها،
ولا تنقذه الطوائف مهما تعاظمت.
خلاصه من فوق.
من يد مالك هذه الأرض،
الذي وقفها له،
والذي حين يشاء
يُسقِط الفاسدين،
ويُعيد الحياة إلى جسدٍ أنهكه البشر.
لذا، لا تتأخّر يا الله.






