جوانا فرحات
المركزية- يخطئ من يعتبر أن التفاهم بين إيران وواشنطن سقط أو أنه لا يزال قائماً ويمهّد لفتح الباب أمام تسوية سياسية أوسع تشمل ملفات إقليمية معقدة، وفي مقدمها لبنان والخليج، وأمن الملاحة في مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.
صحيح أن التصعيد العسكري المتبادل، والاتهامات بانتهاك الالتزامات، أعادا المنطقة إلى دائرة المواجهة، لتتراجع فرص الحلول السياسية أمام منطق القوة والردع. إلا أن المفاجأة ليست في إنهاء التفاهم بين طهران وواشنطن بل بكيفية احتواء المواجهة وإدارة الأزمة وليس حلها.
في العودة إلى أسباب انهيار التفاهم يتبين أنها غير محصورة بطرف واحد. فالعمليات العسكرية في الخليج واستهداف إيران لسفن في مضيق هرمز، يصبان في خانة الضغط على واشنطن لتحسين شروطها حول العقوبات الاقتصادية. وفي حين اعتبرت إيران أن أي تفاوض يجب أن يقترن برفع تدريجي للعقوبات الأميركية، بقيت واشنطن مصرّة على أن تخفيف العقوبات يجب أن يسبقه تنفيذ إيراني كامل للالتزامات النووية والأمنية. ومع غياب الضمانات المتبادلة، بقي كل طرف يشكك في نيات الطرف الآخر، ما جعل الاتفاق يتحول إلى هدنة مؤقتة أكثر منه اتفاقاً دائماً.
يبقى العامل الأبرز المتمثل في تضارب المصالح الإقليمية. فالولايات المتحدة كانت تسعى إلى تقليص نفوذ إيران في المنطقة، ولا سيما في لبنان وسوريا والعراق واليمن، بينما كانت طهران تنظر إلى هذه الساحات باعتبارها جزءاً من منظومتها الدفاعية وأوراق ضغط استراتيجية لا يمكن التخلي عنها دون مقابل سياسي كبير.
إزاء هذه التطورات وانعكاسها على الداخل اللبناني بيرز السؤال هل عاد لبنان إلى موقعه التقليدي كساحة للتجاذب الإقليمي، باعتباره الحلقة الأكثر حساسية بين المشروعين الأميركي والإيراني؟
الباحثة في العلاقات الدولية الدكتورة زينة منصور تصف المرحلة بأنها "حقبة خلط الأوراق العسكرية بالسياسية والضغوط المتبادلة ومن المبكر الكلام عن انهيار المفاوضات على رغم حالة التصعيد وإعلان الرئيس ترامب ان الهدنة والمفاوضات إنتهيا".
وعن التحول في المشهد الإقليمي تقول لـ"المركزية" يجمع الوضع الحالي بين الإنهيار الميداني المؤقت للهدنة واستمرار حرب "الضغوط القصوى". فالطرفان يعتمدان إستراتيجية "حافة الهاوية" مستخدمين كافة الأدوات النفسية والسياسية والعسكرية والإعلامية.
بالنسبة إلى واشنطن، واضح أن ترامب يتبنى استراتيجية "السلام من خلال القوة"، حيث يمزج بين التلويح بفرض "استسلام غير مشروط" لمنع إيران من تخصيب اليورانيوم والتلويح بالعمل العسكري، ومن ثم يعود ليعرض تفاوضاً بشروط قاسية لفرض "صفقة القرن" مع طهران.
أما إيران وعلى رغم تعرضها لضربات جوية قاسية في شباط 2026 إضافة إلى الضغوط الإقتصادية، إلا أنها تحاول إثبات أنها لا تزال تملك أوراق قوة ميدانية، وترفض تقديم تنازلات تمس ترسانتها الصاروخية أو نفوذها الدفاعي، مفضلةً التصعيد العسكري المحدود لتحسين شروطها التفاوضية بدلاً من الاستسلام لـ "التخصيب الصفري" وإنهاء البرنامج الصاروخي والتنازل عن الأذرع".
تشير مجمل المؤشرات إلى أن المنطقة لا تتجه نحو سلام دائم ولا نحو حرب شاملة، بل نحو مرحلة طويلة من "إدارة الصراع"، حيث يستخدم كل طرف أدوات الضغط العسكرية والاقتصادية والسياسية لتحسين موقعه التفاوضي. وسط هذه المعادلة، يبقى لبنان أحد أكثر الأطراف عرضة للتأثر، لأنه لا يمتلك ترف النأي بنفسه عن التحولات الإقليمية، فيما لا تزال أزماته الداخلية تمنعه من بناء سياسة خارجية مستقلة وقادرة على تحصين البلاد من ارتدادات المواجهات الكبرى.
وعليه، فإن مستقبل لبنان في المرحلة المقبلة لن يتحدد فقط بما يجري على حدوده الجنوبية، بل أيضاً بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران، وبقدرة القوى الدولية والإقليمية على الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى بناء تسوية أكثر استدامة، وهو احتمال لا تزال معطيات المرحلة الحالية تجعله بعيد المنال.
وفي هذا السياق تقول د.منصور" الإتفاق الإطاري الذي وقّع عليه لبنان الرسمي هو بمثابة تأكيد على فصل جنوب لبنان عن المحور الإيراني ووضعه في الحاضنة الدولية، لكن تطبيقه على الأرض دونه صعوبات من دون غطاء أميركي-إيراني مزدوج. ومع إنهيار الهدنة بين واشنطن وطهران، يتحول الإتفاق من مشروع تسوية إلى "رهينة" تنتظر نتائج الضغوط المتبادلة وعض الأصابع بين ترامب وخامنئي".
وتتابع" الثابت من الناحية السياسية إن الفصل بين ساحتين تم اتخاذه والإلتزام به بناء على قرار سياسي. لكن من الناحية الميدانية العسكرية فإن عملية الفصل صعبة في المرحلة الراهنة لأن الفيتو الذي وضعه حزب الله على مسألة فصل الساحتين لا يزال قائماً ومرتبطا بالرزنامة الإقليمية. وللتذكير فإن الحرب انطلقت مطلع آذار 2026 كرد فعل من حزب الله على الضربات الأميركية-الإسرائيلية لإيران. وهذا الترابط يعني أن قرار الحرب والسلم جنوباً لا يزال مرتبطاً بالتصعيد مع إيران.
وفي ما خص ورقة "الخط الأصفر" الإسرائيلية، ينص إتفاق الإطار على انسحاب إسرائيل من المناطق التي تحتلها لكن بعد "التحقق من نزع السلاح". وبما أن حزب الله يرفض، فإن إسرائيل ستستغل انهيار المفاوضات لتبرير بقائها ومواصلة عملياتها".
توحي المرحلة الحالية بأن المنطقة دخلت دورة جديدة من الضغط المتبادل، حيث تستخدم فيها الأدوات العسكرية والاقتصادية والسياسية لتحسين شروط أي مفاوضات مستقبلية. وفي ظل هذا الواقع، يبقى لبنان من أكثر الدول تأثراً بهذه التحولات، لأنه لا يزال يشكل نقطة التقاء المصالح والصراعات الإقليمية، ما يجعل استقراره مرتبطاً إلى حد كبير بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران وبقدرة المجتمع الدولي على إعادة فتح قنوات الحوار قبل انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.






