جوانا فرحات
المركزية - مرة جديدة يجد أهالي قرى الشريط الحدودي المسيحية أنفسهم وقوداً لحروب الآخرين عالقين بين نار دولة محاذية لا تتردد في توظيف معاناتهم ضمن حربها السياسية والإعلامية، ونار "الحزب" الذي أقحم الدولة اللبنانية وشعبها في حروب إسنادات وصولا إلى الإنتقام لمقتل خامنئي فتحولت بلداتهم إلى خطوط تماس وبالونات اختبار سياسية وعسكرية.
أمس كانت القنبلة الصوتية التي ألقاها رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو الذي قال في تصريح على محطة فوكس نيوز الأميركية " إن بعض القرى المسيحية في جنوب لبنان طلبت ضمّها إلى إسرائيل لحمايتها من مقاتلي حزب الله". وفي خطاب منفصل ألقاه في مناسبة رسمية الأحد، كرر نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في جنوب لبنان "ما دام ذلك ضروريا لحماية سكان الشمال وجميع مواطني إسرائيل".
على الأثر صدر بيان موقع من بلديات وفعاليات ومخاتير القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان تضمن نفياً قاطعاً لما تم تداوله في بعض وسائل الإعلام بشأن ما قاله نتنياهو، ووصف هذه الادعاءات بأنها "ملفّقة ولا تمت إلى الواقع بأي صلة. أضاف البيان "إن أبناء هذه القرى متمسكون بالدولة اللبنانية وشرعيتها، ولم يحيدوا عن هذا الموقف على رغم الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب. وقد حرص أهلها على التنسيق مع السلطات اللبنانية والمرجعيات الروحية والجهات الدولية، بهدف إبقاء الممرات الإنسانية مفتوحة وضمان استمرار التواصل مع الداخل اللبناني ومؤسساته الشرعية، وأكدوا على رفضهم أي محاولات لتشويه مواقفهم أو استغلال معاناتهم لخدمة أجندات لا تمتّ إليهم بصلة".
إلى هنا كان يمكن أن يقفل أبناء هذه القرى الباب على كل المزاعم أو فليتفضل من يتهمهم في كل حرب يقحمونهم فيها أن يتركوا الدولة تحكم وتقول كلمتها . إلا أن المواقف التي صدرت عن الرئيس نبيه بري والنائب في كتلة حزب الله حسن فضل الله أثبتت أن هذه القرى وأبناؤها يعيشون اليوم بين كماشتي المعاناة الإنسانية والإجتماعية وحرب استنزاف طويلة .
ليس خافيا أن أهالي قرى الشريط الحدودي المسيحية لا يسلّمون إلا بمرجعية الدولة ولا يناشدون إلا المرجعيات السياسية والروحية والأمنية فيها ولكن... المأساة الحقيقية لا تكمن في كلام يصدر من تل أبيب، بل في الواقع الذي أوصل أبناء هذه القرى إلى أن يصبحوا مادة دسمة لرفع رايات النصر والشعارات الوطنية ووقوداً لحروب لا تملك الدولة قرارها ولا تستطيع إيقافها وبسط سيطرتها على كامل أراضي الجنوب.
يقول جوزف سليمان من بلدة عين إبل أن كلام نتنياهو ليس إلا مجرد بالون اختبار لاستفتاء رأي أهالي القرى المسيحية في الشريط الحدودي في بقاء الجيش الإسرائيلي في الجنوب وحماية أبناء القرى المسيحية. إلا ان الرد المباشر والموحد صدرعن بلديات ومخاتير وفاعليات هذه القرى ليُستكمل لاحقا ببيانات إفرادية موقعة بإسم بلدياتها ومخاتيرها. وفي ما خص رد الرئيس بري يعتبر سليمان أن البيان التأييدي هو لاستقطاب أهالي هذه القرى في الحملات الإنتخابية المقبلة.
البيان الرد على تصريح نتنياهو جاء دفاعاً عن الكرامة الوطنية قبل أن يكون نفياً لتصريح سياسي ورسالة واضحة بأن الانتماء إلى لبنان ليس موضع مساومة أو استثمار إعلامي. لكن المعاناة تبقى السيف ذو حدين. ويشرح سليمان " أن الوصول إلى الأسواق التي كان يبتاع منها أهالي القرى الحدودية وتحديدا دبل وعين إبل ورميش مستلزماتهم من مواد غذائية ومواد البناء بات يشكل رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر، مشيرا إلى أن أبناء هذه القرى باتوا محاصرين ضمن هذا المثلث ويتنقلون ضمنه منذ الصباح وحتى الساعة الخامسة عصرا أو أكثر بقليل. وفي حال قرر سكان هذا المثلث التوجه إلى بيروت لشراء مسلتزماتهم أو لأسباب صحية يتوجب عليهم الحصول على إذن من لجنة الميكانيزم أو من كاريتاس أو السفير البابوي".
ما يخشاه أبناء قرى الشريط الحدودي المسيحية أن يستمر هذا الواقع في ظل تعثر المفاوضات ورفض فريق الممانعة الإتفاق الإطاري الذي وقعته الدولة مع إسرائيل في واشنطن. صحيح أن المساعدات تصل دورياً وهناك إحاطة لافتة وإنسانية من قبل الفاتيكان عبر السفير البابوي الذي زار القرى حوالى 15 مرة ولا يتأخر في تلبية طلبات الأهالي وآخرها طلب تأهيل مستوصف عين إبل ليكون جاهزا للحالات الطارئة والعمليات. ويؤكد سليمان أن فريقا من المختصين زار المستوصف ووضع لائحة بالمستلزمات المطلوبة إضافة إلى الأطباء والجراحين المفروض أن يتواجدوا في المستوصف. إلا أن المعاناة لم تعد تقتصر على تأمين المعلبات والمواد الغذائية إنما الخوف من أن تطول الأزمة ويستمر الحصار حتى فصل الشتاء لأن هناك استحالة في العبور على الطرقات التي تسلكها السيارات اليوم بعد نيل الأذونات بسبب الردميات ومخلفات الأبنية المدمرة".
بالمباشر يعبر أبناء قرى الشريط الحدودي عن رفضهم لتحويل قراهم إلى ساحات مواجهة، ويرون أن استمرار العمليات العسكرية يهدد وجودهم ومستقبلهم، ويعمّق نزيف الهجرة الذي يطال الشباب والعائلات. وبين تصريحات إسرائيل التي تحاول توظيف واقعهم الإنساني في سياق سياسي وإعلامي، وتداعيات حرب حزب الله التي يدفعون ثمنها من لحمهم الحي يبقى هاجسهم الأول البقاء في أرضهم والحفاظ على قراهم من الفراغ والدمار، وأن يُنظر إلى معاناتهم باعتبارها قضية وطنية تتطلب حماية الدولة ودعمها، لا مادة للمزايدات السياسية.






