4:06 PMClock
خاص
  • Plus
  • Minus

قرار تسليم عيسى إلى سوريا قضائي ورسالة سياسية إلى دمشق

جوانا فرحات

المركزية – جدل سياسي وقانوني فُتح مع تسليم اللواء السوري السابق عادل عيسى إلى السلطات السورية في 19 آب الجاري. فالرجل لم يكن مجرد ضابط في نظام بشار الأسد، بل كان قائداً للفرقة 17، وهي إحدى التشكيلات العسكرية التي ارتبط اسمها بمراحل أساسية من الحرب السورية. لذلك فإن قرار النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج تسليمه إلى دمشق، ثم انتقاله فعلياً إلى السلطات السورية يتجاوز مسألة تطبيق لاتفاقية قضائية بين دولتين ويؤشر إلى تبدل عميق في قواعد العلاقة اللبنانية ـ السورية بعد سقوط نظام الأسد.

 تؤكد مصادر  سياسية  وحقوقية لـ"المركزية" أن عملية تسليم عيسى تمت بناء على الاتفاق القضائي بين لبنان وسوريا الذي وُقّع في دمشق في 25 شباط 1951 وتنص المادة الأولى من فصل تسليم المجرمين على أن يتعهد البلدان بتسليم الأشخاص الموجودين في أراضي أحدهما إذا كانوا ملاحقين أو متهمين أو محكومين من السلطات القضائية في الدولة الأخرى، وذلك وفق شروط الاتفاق.

أما المادة الثانية فتضع شروطاً للتسليم، وأبرزها، أن يكون الشخص المطلوب ملاحقاً أو متهماً أو محكوماً عليه في جريمة يعاقب عليها قانون الدولة التي تطالب به.

وتتوقف المصادر عند "نقطة مهمة"  في حالة عيسى وهي أن الاتفاقية تعود إلى العام 1951، أي أن الأساس القانوني الذي استند إليه قرار التسليم هو اتفاق قضائي قديم، وهنا تظهر المفارقة السياسية. فالنص القانوني قديم، لكن الجهة التي تستخدمه والظرف السياسي الذي يُستخدم فيه مختلفان . وكما أن الدولة اللبنانية دخلت مرحلة سياسية  جديدة مع العهد الجديد برئاسة جوزاف عون، كذلك الحال مع سوريا اليوم في عهد الرئيس أحمد الشرع.  من هنا لا يصح القول إن الاتفاقية تجعل التسليم تلقائياً، كما لا يصح القول إن لبنان يستطيع رفضه لأسباب سياسية محضة. فالاتفاقية تضع شروطاً وآليات للتسليم، وبالتالي يفترض أن يكون القرار مبنياً على توافر الشروط القانونية.

ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية في قضية عيسى ليس فقط لماذا سلّمه القاضي أحمد رامي الحاج، إنما هل تحقق القضاء اللبناني من جميع شروط التسليم، وهل حصل على الضمانات اللازمة بشأن المحاكمة التي سيخضع لها عيسى في سوريا؟

والنقطة التي استحوذت على الجدل هي كيف وافقت السلطات اللبنانية على تسليم مطلوب لدولة لا يزال قانون الإعدام فيها ساري المفعول؟

المصادر تلفت إلى أن قانون إلغاء عقوبة الإعدام الذي أقره مجلس النواب اللبناني مؤخرا لا يشير في مواده إلى عدم تسليم مطلوب إلى دولة يسري فيها قانون عقوبة الإعدام وبالتالي لا تجوز مقاربة ملف عادل عيسى مع ملف قائد سفينة روسوس التي رفضت السلطات البلغارية تسليمه إلى لبنان كون عقوبة الإعدام كانت لا تزال قائمة ولأن الدولة البلغارية رفضت تسليمه آنذاك.  

المتاح علناً يثبت أن القرار الصادر عن النائب العام التمييزي استند إلى اتفاقية قضائية قائمة، ولا يثبت بصورة قاطعة أن جهة سياسية لبنانية أمرت القاضي بالتسليم. فلبنان يطبق اتفاقية قائمة ويستجيب لطلب قضائي سوري بعدما وجد أن شروط التسليم متوافرة. أما القراءة السياسية فتوحي بأن الدولة اللبنانية أرادت توجيه رسالة إلى الدولة السورية بأنها مستعدة للدخول في تعاون مباشر معها حتى عندما يتعلق الأمر بشخصية عسكرية بارزة من النظام السابق.

وهذه النقطة بالذات هي التي تجعل قضية عيسى أهم من مجرد تسليم مطلوب.

فإذا تحولت العملية إلى سابقة تتبعها عمليات أخرى، نكون أمام مسار جديد في العلاقة بين البلدين. ومن المتوقع عندها أن تبرز ملفات ضباط ومسؤولين آخرين من النظام السابق موجودين في لبنان أو مروا عبره. وستصبح بيروت أمام اختبار أكثر صعوبة.

قد يكون القرار بتسليم المطلوب بجرائم إنسانية في عهد نظام الأسد عادل عيسى إلى الدولة السورية قضائياً في آليته، وسياسياً في تداعياته. وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها. لكن استخدام هذه الاتفاقية للمرة الأولى بهذا الحجم الرمزي بعد سقوط نظام الأسد، يعطيها وظيفة سياسية جديدة.

فتسليم شخصية أمنية سورية إلى سوريا كان يُقرأ سابقا بوصفه خضوعاً لبنانياً لمنظومة النفوذ السورية. أما اليوم، فإن تسليم مسؤول سابق في نظام الأسد إلى السلطة السورية الجديدة يعني اعترافاً عملياً بشرعية مؤسسات الدولة السورية الجديدة في ملاحقة المتهمين بجرائم ارتُكبت على أراضيها. من هنا، قد يكون تسليم عيسى أول اختبار حقيقي للعلاقة القضائية والأمنية بين لبنان وسوريا بعد الأسد.

أما الإختبار الأكبر والأكثر جدية يأتي لاحقاً. فهل يكون عيسى مقدمة لسلسلة من عمليات التسليم؟ وهل سيتمسك القضاء اللبناني في كل ملف بالمعايير القضائية نفسها؟ وهل ستثبت دمشق أن هدفها هو العدالة والمحاسبة، لا تصفية الحسابات؟

باختصار ليس تسليم عادل عيسى مجرد عملية نقل موقوف من دولة إلى أخرى، إنه أول اختبار عملي من شأنه أن يثبت ما إذا  كانت العلاقة بين بيروت ودمشق قد انتقلت فعلاً من زمن النفوذ إلى زمن الدولة الفعلية.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o