تتجه إسرائيل إلى اختبار سياسي جديد مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة الثلاثاء 27 أكتوبر، في ظل مؤشرات على عجز المعسكرين الرئيسيين عن حسم المنافسة بصورة تتيح لأي منهما تشكيل حكومة بمفرده.
وبينما يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الاحتفاظ بالسلطة، تواجه المعارضة تحدي تحويل تقدمها في بعض استطلاعات الرأي إلى أغلبية برلمانية قادرة على إنهاء حكمه.
فيما تشير آخر الاستطلاعات المنشورة قبل بدء الحظر القانوني، إلى تقارب حسابات المعسكرين، مع بقاء الطرفين دون الأغلبية اللازمة في عدد من التقديرات.
فقد أظهرت استطلاعات نشرت أمس الجمعة، حصول معسكر نتنياهو على نحو 50 مقعداً، مقابل 52 للمعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، من أصل 120 مقعداً في الكنيست، ما يترك حسابات تشكيل الحكومة مفتوحة على تحالفات معقدة وفق ما نقلته "القناة 12" وهيئة البث "كان".
في حين أوضح د.محمد عبود، أستاذ الدراسات الإسرائيلية في جامعة عين شمس المصرية، أن المعسكرين لا يملكان، وفق الاستطلاعات الأخيرة، القدرة على حسم الانتخابات بصورة قاطعة. ورجح في تصريحاته لـ "العربية.نت/الحدث.نت"، أن تقود النتيجة إلى سيناريوهات صعبة قد تدفع إسرائيل إلى حالة من الجمود السياسي، في ظل حاجة أي مرشح إلى تأمين أغلبية لا تقل عن 61 مقعداً لتشكيل حكومة.
حكومة انتقالية أم جولة انتخابية جديدة؟
كما رأى عبود أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في استمرار حكومة تسيير أعمال برئاسة نتنياهو، مع الاستعداد لاحتمال إجراء انتخابات جديدة في أبريل المقبل. وأضاف أن هذا السيناريو يعكس عمق الأزمة التي تواجه النظام الحزبي الإسرائيلي، حيث لا يعني تقدم أحد المعسكرين في عدد المقاعد بالضرورة امتلاكه القدرة على جمع أغلبية برلمانية. وأشار إلى أن جذور هذه الأزمة تعود إلى عام 2019، حين دخلت إسرائيل سلسلة من الجولات الانتخابية المتعاقبة دون أن تتمكن القوى السياسية من حسم المنافسة بصورة مستقرة.
كما لم تنجح الحرب والانقسامات التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 في إنهاء الاستقطاب الداخلي، على الرغم من تصاعد المواجهات على جبهات متعددة.
وفي قراءة موازية، رجّح الدكتور أحمد فؤاد أنور، أستاذ الفكر الصهيوني بجامعة الإسكندرية وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، في تصريحاته لـ"العربية.نت/ الحدث.نت" أن يكون الجمود السياسي السيناريو الأقرب للانتخابات الإسرائيلية.
كما أضاف أنور أن هذا المشهد ليس جديدًا على إسرائيل، إذ استمر الانقسام بين المعسكرين منذ انتخابات ديسمبر 2022، ما يجعل تشكيل حكومة مستقرة تحديًا متكررًا أمام النظام السياسي الإسرائيلي. وأشار إلى أن أحد البدائل المطروحة يتمثل في تشكيل حكومة أقلية بدعم من القوائم العربية، التي توقع أن تحصل على نحو 14 مقعدًا في الكنيست، بما قد يسمح بدعم ائتلاف لا يقوده الليكود، رغم أن هذا السيناريو سيظل مرهونًا بنتائج الانتخابات ومواقف الأحزاب من التعاون البرلماني.
معسكر نتنياهو أكثر تماسكاً
ووفق المشهد الإسرائيلي فإن هناك تماسكاً واضحاً رغم الخلافات في معسكر نتنياهو الإيديولوجي في مقابل تعدد مراكز القيادة داخل المعارضة. إذ تواجه المعارضة تحدياً يتعلق بتحديد الشخصية القادرة على قيادتها وتوحيد مكوناتها.
هذا وأشار عبود إلى أن تنافس آيزنكوت، زعيم حزب "يشار"، مع نفتالي بينيت، إلى جانب طموحات أفيغدور ليبرمان للقيادة، يطرح تساؤلات بشأن قدرة هذه القوى على تجاوز خلافاتها وتقديم بديل حكومي موحد.
وتبرز هنا مفارقة الانتخابات: فحتى إذا تراجع حزب الليكود أو تصدر حزب معارض عدد المقاعد، فإن النتيجة لا تحسم وحدها هوية رئيس الوزراء المقبل. إذ يتوقف الأمر على قدرة كل طرف على بناء ائتلاف يحظى بثقة الكنيست، وعلى موقف الأحزاب الصغيرة والقوائم العربية من ترتيبات تشكيل الحكومة.
قلق الجمود السياسي
إلى ذلك، اعتبر عبود أن استمرار الجمود قد يصب في مصلحة نتنياهو، لأنه يتيح له البقاء في رئاسة حكومة انتقالية، بينما تواصل المعارضة محاولاتها لتجميع أغلبية بديلة.
لكنه أوضح أن هذه المعطيات تطرح سيناريو آخر يرتبط بإمكانية تصدر آيزنكوت نتائج الانتخابات مع تراجع الليكود، بما قد يدفع المعارضة إلى بحث خيارات برلمانية استثنائية. وأضاف أن من بين هذه الخيارات، محاولة تشكيل حكومة أقلية أو الدفع نحو تشريع يُعرف باسم "قانون المتهم" والذي يدفع بعزل رئيس الكنيست حال توافق المعارضة، وعدم تمكن نتنياهو من الحصول على أغلبية مريحة، وفي هذه الحالة تتجه المعارضة لمنع نتنياهو من تولي رئاسة الحكومة خلال الفترة الانتقالية، والبحث عن شخصية بديلة من داخل الليكود.
غير أنه أكد أن هذه الفرضية تظل، رهينة قدرة المعارضة على تجاوز انقساماتها، وتأمين الأصوات اللازمة داخل الكنيست، بما في ذلك أصوات القوائم العربية. وحذر عبود من أن اللجوء إلى ترتيبات من هذا النوع قد يفاقم التوتر السياسي، خصوصًا إذا استخدم اليمين الإسرائيلي مشاركة الأحزاب العربية أو دعمها البرلماني لتصوير المعارضة باعتبارها تعمل ضد مصالح الدولة.
من جانبه، طرح أنور سيناريو يرتبط بتغيير رئاسة الكنيست عقب الانتخابات، معتبراً أن انتخاب رئيس جديد للمجلس قد يفتح المجال أمام تحرك تشريعي يستهدف منع نتنياهو من تولي رئاسة الحكومة، على خلفية الاتهامات الجنائية الموجهة إليه. ورأى أن مثل هذا المسار، إذا توافرت له الأغلبية البرلمانية اللازمة، قد يتيح ظهور قيادة جديدة داخل حزب الليكود ويفتح الباب أمام تشكيل حكومة وحدة وطنية في حال تعذر حصول أي معسكر على 61 مقعداً.
كما أضاف أنور أن رفض عدد من قادة المعارضة، ومن بينهم أفيغدور ليبرمان وغادي آيزنكوت ويائير لابيد، استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة قد يهيئ أرضية للتوافق على بديل، لكنه يظل مرتبطاً بقدرة القوى المختلفة على الاتفاق على مرشح وصيغة حكم مشتركة.
الحريديم والتجنيد
ولا تقتصر معركة الانتخابات على هوية رئيس الوزراء، بل تمتد إلى قضية تجنيد طلاب المعاهد الدينية الحريدية في الجيش، التي أصبحت من الملفات الحساسة في ظل الحروب المتعددة والضغوط على القوات المسلحة.
وقال عبود إن نتنياهو يمثل حليفاً مناسباً للأحزاب الحريدية، نظراً إلى مواقفه من إعفاء قطاعات من أتباعها من الخدمة العسكرية.
في المقابل، تتبنى المعارضة مواقف أكثر تشدداً بشأن التجنيد، على سبيل المثال يؤيد بينيت وآيزنكوت توسيع نطاق الخدمة ليشمل أعداداً أكبر من الحريديم، وإن اختلفت مواقفهما في التفاصيل، أما ليبرمان فهو يعتبر المعارض الرئيس للحريديم.
في حين رأى أنور أن الأحزاب الحريدية تتعامل ببراغماتية مع مفاوضات تشكيل الحكومات، إذ ترتبط مواقفها بدرجة كبيرة بما تحصل عليه من موازنات وتسهيلات لمؤسساتها التعليمية والدينية. وأوضح في تصريحاته لـ"العربية.نت/ الحدث.نت" أن دعم هذه الأحزاب ليس بالضرورة موقفاً ثابتاً، بل يخضع للتفاوض بشأن الموارد المالية ومستقبل الإعفاءات من الخدمة العسكرية، خصوصاً بالنسبة إلى طلاب المعاهد الدينية، ما يمنحها هامشاً للمساومة عند تشكيل أي ائتلاف حكومي.
تحذير اقتصادي يفتح جبهة انتخابية جديدة
وقبل أيام من الاقتراع، دخلت المخاوف الاقتصادية والعزلة الدولية إلى قلب السجال الانتخابي، بعدما دعا نتنياهو إلى الاستعداد لاحتمال فرض عقوبات دولية على إسرائيل، بما في ذلك عقوبات مصرفية، وفق حديثه للقناة "10 الاقتصادية" أمس الجمعة. وتحدث نتنياهو عن إعداد اقتصاد بديل يمكنه التعامل مع هذه القيود باستخدام وسائل مالية من بينها تقنيات البلوك تشين والعملات الرقمية.
كما حذر من أن المساعدات العسكرية الأميركية، التي تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات على مدى سنوات، لن تستمر بالضرورة إلى الأبد، معتبراً أن على إسرائيل تقليل اعتمادها على الخارج.
وحول هذه القضية أوضح عبود أن تصريحات نتنياهو قد تمنح المعارضة فرصة سياسية، لأنها تضع مخاطر العزلة الاقتصادية أمام الناخب الإسرائيلي في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تقديم نفسها باعتبارها قادرة على ضمان الأمن والاستقرار. وقد استغل معارضون التصريحات لانتقاد سياسات الحكومة، معتبرين أن التحذير من العقوبات يعكس تداعيات تدهور علاقات إسرائيل مع بعض الدول الغربية.
الحروب مستمرة رغم الجمود
أما على الصعيد الأمني، فرأى عبود أن تعثر تشكيل الحكومة لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير جوهري في العقيدة العسكرية الإسرائيلية أو وقف العمليات على الجبهات المختلفة. وأوضح أستاذ الدراسات الإسرائيلية، أن نتنياهو تبنى نهجاً يقوم على توجيه ضربات استباقية لتقليص التهديدات، مع اعتبار إيران محوراً رئيسياً في الحسابات الأمنية الإسرائيلية. وذهب إلى أن المواجهة مع إيران تتجاوز شخص نتنياهو، مؤكداً أن الدولة العميقة في إسرائيل لها دور قوي وهناك توافق واسع بضرورة استمرار الحرب من تيارات أقصى اليمين وأقصى اليسار. لذلك أضاف عبود أنه مهما اختلفت شخصية رئيس الوزراء ستظل الحرب على إيران هدفاً مؤكداً لكافة الأطياف السياسية الصهيونية في إسرائيل.
وفي تقدير مواز، اعتبر أنور أن استمرار الحروب يمثل أحد العوامل التي قد تساعد نتنياهو على البقاء في منصبه، واصفاً التصعيد على الجبهات المختلفة بأنه قد يشكل "طوق نجاة" سياسياً له في ظل تعثر تشكيل حكومة مستقرة. ووفق هذه القراءة، فإن استمرار المواجهات قد يتيح لنتنياهو مواصلة إدارة الحكومة حتى لو تحولت إلى حكومة انتقالية، في وقت يبقى فيه مستقبل العمليات العسكرية مرتبطاً أيضاً بحسابات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية والتطورات الإقليمية.
ومع اقتراب موعد التصويت، تظل المفارقة الأساسية في أن تراجع شعبية الحكومة أو تقدم المعارضة لا يكفيان وحدهما لتغيير السلطة. فالمعركة الحقيقية تبدأ بعد فرز الأصوات، حين تتحول المقاعد إلى مفاوضات، وتصبح قدرة الأحزاب على التفاهم العامل الحاسم في تحديد شكل الحكومة المقبلة.
المصدر:: العربية






