4:48 PMClock
خاص
  • Plus
  • Minus

عوامل غياب الرد العسكري الخليجي تعكس مقاربة سياسية وأمنية...إدارة المخاطر وتجنب المواجهة

جوانا فرحات

المركزية – "أمن دول مجلس التعاون الخليجي كلٌ لا يتجزأ ونحتفظ بحق الدفاع عن النفس رداً على الهجمات".هكذا كان الخطاب السياسي الخليجي في قمة دول المجلس الخليجي الأخيرة مع التأكيد أن أمن دول المجلس خط أحمر، وأن أي اعتداء لن يمر من دون رد.

إلا أن المشهد الذي أعقب الهجمات الإيرانية الأخيرة على أهداف داخل دول الخليج لم يطابق ما صدر في البيان. وبعكس توقعات كثيرين بأن يكون هناك رد عسكري مباشر اكتفت العواصم الخليجية بإدانة الهجمات، ورفعت مستوى التنسيق الأمني والدبلوماسي. هذا التباين بين الخطاب والممارسة أعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: هل تراجعت دول الخليج عن سياسة الردع، أم أنها تمارس نوعًا مختلفًا من إدارة الصراع مع إيران؟

المحلل السياسي جوزف أبي سعد يقول لـ"المركزية"  "الواقع أن قراءة السياسة الخليجية من زاوية رد الفعل العسكري وحده قد تكون قاصرة. فهناك قناعة ذاتية لدى دول الخليج بأن يتركوا لمصيرهم في أي لحظة، في حين أن إيران دولة مجاورة وتبعات أي صدام عسكري بين دول الخليج وإيران سيشمل المتعاقبين على السلطة حتى لو تغير النظام فيها. أضف إلى أنهم لا يريدون تحميل الأجيال المقبلة أوزار أي صدام مع الإيرانيين.

ومن العوامل المهمة التي تردع دول الخليج عن الرد على إيران عسكريا أن العديد من هذه الدول ترتبط بشراكات دفاعية وأمنية مع قوى دولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. ومن ثم فإن أي قرار بالرد العسكري لا يُنظر إليه باعتباره شأنًا منفردًا، بل يدخل ضمن حسابات تتعلق بالتنسيق مع الحلفاء، وتقدير تداعيات أي تصعيد على الأمن الإقليمي والدولي، كما أن دول الخليج تعتبر أنها تسدد أثمان حمايتها وهذا ما عبّر عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال زيارته الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية عندما صرّح بأن بلاده تقبض ثمن حماية دول الخليج".  

الثمن الذي تدفعه دول الخليج لتأمين حمايتها كافٍ بحسب أبي سعد "لكن لا يجب أن يغيب عن بالنا أنها لم تبادر عبر تاريخها يوما في شن حرب كبيرة وشعوبها مسالمة وبالتالي هي لا تريد أن تتورط في حرب مع إيران علما أن المعطيات تؤكد أنها ستستمر في توجيه ضرباتها نحو دول الخليج والسعودية بهدف الضغط على الولايات المتحدة ولأن أي تطور بين دول الخليج وإيران سيزعج دولة الصين التي لا تزال تستحوذ على نفطها من إيران بأسعار رمزية عدا عن وجود مصالح اقتصادية بين دول الخليج والصين وآخرها اتفاقية التعاون التي وقعتها الصين مع السعودية. وبالتالي، فإن أي تسعير للحرب وتطورها سيزعج الصين ويلزمها بالتدخل بشكل ما. ومن هذا المنطلق، يبدو أن العواصم الخليجية باتت تنظر إلى الردع باعتباره مفهومًا أوسع من مجرد الرد العسكري المباشر"..

الثابت أن عنوان المرحلة لدى دول الخليج هو إدارة المخاطر وليس إدارة المواجهة. ويشير أبي سعد الى أن " على الرغم من التصعيد الكلامي لترامب إلا أنه لا يزال يترك هامشا الدبلوماسية من خلال دعوى إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات". ويختم " أثبتت الأزمات التي شهدتها المنطقة خلال العقد الماضي أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران لن تبقى محصورة بين طرفين، بل ستتحول سريعًا إلى نزاع إقليمي تتداخل فيه المصالح الدولية، وتصبح المنشآت النفطية والموانئ وطرق الملاحة، والأسواق المالية أولى ضحاياه. من هنا، فإن قرار عدم التصعيد لا يعكس بالضرورة ترددا أو ضعفا، وإنما قد يكون خيارا استراتيجيا لتجنب حرب لا يمكن التنبؤ بنتائجها. فالاعتماد الكامل على الحماية العسكرية الخارجية لم يعد خيارا مضمونًا كما كان في السابق، في ظل تغير أولويات القوى الكبرى، وتراجع رغبتها في الانخراط المباشر في صراعات الشرق الأوسط. لذلك أصبحت دول الخليج أكثر ميلا إلى إدارة الأزمات بحسابات دقيقة، تجمع بين تعزيز قدراتها الدفاعية، والحفاظ على التحالفات الدولية، وتجنب الانجرار إلى مواجهات واسعة. وقد أثبتت تجارب الدول أن السياسة لا تقوم على ردود الفعل الفورية، وإنما على اختيار التوقيت والوسيلة اللذين يحققان أعلى مكاسب بأقل الخسائر. وقد يكون الرد في بعض الأحيان سياسيا أو اقتصاديا أو استخباراتيًا، وربما يجري بعيدا عن الأضواء، وهو ما يؤكد أن غياب المشهد العسكري العلني لا يعني بالضرورة غياب الرد نفسه".

وبين من يفسر هذا النهج بوصفه براغماتية سياسية، ومن يراه تراجعًا عن مواقف سابقة، يبقى المؤكد أن دول الخليج تراهن على أن قوة الدولة لا تُقاس بسرعة إطلاق النار، بل بقدرتها على اختيار اللحظة المناسبة التي تخدم مصالحها الوطنية وتحافظ على أمنها واستقرارها.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o