جوانا فرحات
المركزية- في كل مرة يعود فيها ملف انتشار الجيش اللبناني في الجنوب إلى واجهة الأحداث، تتجدد الأسئلة حول حدود الدور الذي يُراد للمؤسسة العسكرية أن تؤديه، وحول ما إذا كانت الضغوط الدولية والإسرائيلية تستهدف تنفيذ التفاهمات الأمنية فحسب، أم أنها تحمل في طياتها محاولة لإعادة رسم موازين القوى الداخلية في لبنان. هذا الجدل بدأ يأخذ منحى جدياً مع إعلان حزب الله رفضه تسليم تلة "علي الطاهر" الاستراتيجية في الجنوب للجيش اللبناني وفق ترتيبات المناطق الحدودية الواردة في الإتفاق الإطاري.
ومع رفض الحزب الانسحاب من التلة ، وإصرار إسرائيل على تنفيذ ما تعتبره التزامات واردة في التفاهمات القائمة، يبرز سؤال جوهري: هل ثمة نية فعلية لإقحام الجيش اللبناني في مواجهة مع حزب الله، أم أن جميع الأطراف تدرك أن مثل هذا السيناريو يحمل مخاطر تتجاوز قدرة لبنان على تحملها؟
تسليم تلة علي الطاهر الاستراتيجية للجيش اللبناني بحسب حزب الله ضرب انهزامي و "استسلام" .وما يزيد من تشبثه بموقفه الرافض وجود ضغوط إسرائيلية وأميركية لدفع الجيش اللبناني للانتشار في التلة مما يرفع من نسبة المخاوف من أن يكون الهدف إقحام الجيش اللبناني في صدام مع حزب الله أو استغلال إسرائيل غياب الجيش عن المنطقة لتنفيذ عمليات تفجير وتدمير للمواقع.
باختصارالمواجهة السياسية مع الحزب تتصاعد، وقد ذهبت محطة "المنار" الناطقة باسم الحزب إلى بث شريط مصور تحت عنوان "عونٌ للعدو….ذلّ للبنان"، كرد مباشر على مواقف رئيسي الجمهورية والحكومة اللذين يصران على عدم الخضوع لابتزاز حزب الله إلا أن قرار الدولة يسير على سكة قرار حصرية السلاح وهذا ما أكده اليوم رئيس الجمهورية خلال استقباله وفد حزب الوطنيين الأحرار برئاسة النائب كميل شمعون في القصر الجمهوري حيث أكد "رفضه القاطع لأي تفاوض نيابة عن لبنان"، مشدداً على أن "قطار الدولة قد أقلع وقرار حصرية السلاح سينفذ".
حتى الآن لا يبدو أن ثمة خطة معدة سلفاً لإقحام الجيش في مواجهة مع الحزب لأن ذلك يتطلب قرارا ونية وجهوزية ميدانية وكل تلك العناصرغيرمتوافرة لكن استنادًا إلى مصالح الأطراف المختلفة وسلوكها السياسي والعسكري ثمة سيناريوهات محتملة وفق مصادر متابعة لـ"المركزية"، وتوضح "بالنسبة إلى إسرائيل فإن أولويتها المعلنة تتمثل في إبعاد أي وجود عسكري تعتبره تابعًا لحزب الله عن المناطق الحدودية، لتحقيق مستوى أعلى من الأمن ومن هذا المنطلق هي تضغط سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا من أجل تعزيز انتشار الجيش اللبناني وتطبيق الترتيبات الأمنية التي تراها ضرورية، سواء استندت إلى تفاهمات حديثة أو إلى القرارات الدولية ذات الصلة.
أما الولايات المتحدة، فهي تعلن باستمرار دعمها للجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الشرعية المسؤولة عن الأمن الوطني، وتربط مساعداتها بتعزيز دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها. وانطلاقا من ذلك تعتبرواشنطن أن توسيع انتشار الجيش يرسخ سلطة الدولة، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن أي مواجهة عسكرية مباشرة بين الجيش وحزب الله قد تهدد وحدة المؤسسة العسكرية التي تدعمها مع دول أخرى منذ عقود.
في المقابل، يرى حزب الله أن امتلاكه عناصر القوة على الحدود يشكل جزءًا من معادلة الردع مع إسرائيل، وأي تراجع غير متفق عليه قد يُفسر داخليًا وإقليميًا على أنه تنازل تحت الضغط. ومن هنا قد يكون تمسّكه بمواقع معينة مرتبطًا بقناعته بأن أي تغيير يجب أن يأتي ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل، لا عبر ضغوط أحادية الجانب.
أما الجيش اللبناني، فهو يقف أمام معادلة شديدة الحساسية. من جهة، هو مطالب بتوسيع انتشاره وتثبيت سلطة الدولة، ومن جهة أخرى يسعى إلى تجنب أي مواجهة داخلية قد تهدد تماسكه ووحدته".
ماذا لو استمرت الضغوط الأميركية-الإسرائيلية خصوصا عشية زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن المقررة في 21 تموز الجاري وتحديد موعد لاستكمال المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية في روما بعد أيام؟
تضع المصادر الجواب في إطار ثلاث سيناريوهات: الأول يتمثل في التوصل إلى تسوية ميدانية غير معلنة، تسمح بانتشار الجيش اللبناني مع ترتيبات أمنية تراعي هواجس مختلف الأطراف، وهو السيناريو الذي يبدو الأكثر انسجامًا مع رغبة معظم الفاعلين في تجنب الانفجار الداخلي.
أما السيناريو الثاني، فهو استمرار حالة المراوحة، بحيث تبقى المواقع المختلف عليها موضع تجاذب سياسي وأمني من دون حسم نهائي، مع استمرار الضغوط الدولية والإسرائيلية والمفاوضات غير المباشرة، وهو احتمال وارد إذا تعذر التوصل إلى تفاهم سريع.
يبقى السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، ويتمثل في حدوث احتكاك ميداني غير مقصود نتيجة سوء تقدير أو خطأ في الحسابات، وقد يتطور إلى أزمة قد لا تحمد عقباها بحسب المصادر. إلا أن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة وجود قرار مسبق لدى أي طرف معيّن وتحديدا إسرائيل التي لا تزال ترضخ لأوامر ترامب إنطلاقا من مصالحهما المشتركة، بإشعال مواجهة بين الجيش اللبناني وحزب الله، وإذا وقع المحظور قد يكون نتيجة تعقيدات المشهد الميداني وتداخل خطوط الانتشار.
وتختم المصادر" تبدو مصالح معظم الأطراف متعارضة في كثير من الملفات، لكنها تتقاطع عند نقطة أساسية هي تجنب انهيار المؤسسة العسكرية اللبنانية أو انزلاق البلاد إلى مواجهة داخلية واسعة. ولذلك، فإن الضغوط السياسية والدبلوماسية مرشحة للاستمرار، كما أن الخلاف حول مواقع استراتيجية قد يبقى قائمًا من دون حصول صدام مباشر بين الجيش وحزب الله، وهو ما يجعل اللجوء إلى التسويات المرحلية أكثر ترجيحا من خيار المواجهة المفتوحة، مع الإقرار بأن التطورات الميدانية السريعة قد تغير الحسابات في أي لحظة".






