7:12 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

رسائل حاسمة من سلام لمنع تكرار سيناريوهات "الإسناد"

 

حمل تصريح رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام من قصر بعبدا، عقب اجتماعه برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، دلالات وأبعاداً استراتيجية، سواء لجهة توقيته أو مكان إعلانه أو طبيعة الرسائل السياسية والسيادية التي تضمنها.

المشهد بمجمله بدا أقرب إلى تقاطع رئاسي - حكومي حاسم على ضرورة تحصين لبنان من تداعيات المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ومنع تحويل الأراضي اللبنانية مجدّداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية إضافية لصدورها من قصر بعبدا، بما يحمله الموقع من رمزية دستورية و سياسية، وفي ظل تقاطع واضح مع موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي شدّد بدوره، في اتصاله برئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، على احترام سيادة اليمن ورفض تدخّل أفراد أو مجموعات لبنانية في شؤونه الداخلية، أو قيامها بأنشطة تهدّد أمنه واستقراره.أخبار لبنان

هذا التقاطع بين الموقفين الرئاسي والحكومي لا يعني بالضرورة تبنّياً حرفياً لكل تفاصيل تصريح سلام، لكنه يعكس انسجاماً في الاتجاه السياسي العام، عنوانه رفض استخدام الأراضي اللبنانية أو الأسماء اللبنانية للتدخّل في شؤون الدول العربية، والتأكيد أن العلاقات الخارجية ليست مجالاً لقرارات موازية تتجاوز مؤسسات الدولة.

• خريطة الثوابت السياسية: من التحذير إلى حصر القرار بالشرعية

اتسم كلام سلام بوضوح استثنائي صاغ من خلاله خريطة طريق للموقف الرسمي اللبناني تجاه التطورات الداهمة، مرتكزاً على حزمة من الثوابت الوطنية التي تعيد رسم الخطوط الفاصلة بين خيارات الدولة ورغبات المحاور الإقليمية:أخبار لبنان

١) حصر قرار الحرب والسلم بالدولة ومؤسساتها: وضع الموقف المسألة في إطارها الدستوري والسيادي المباشر، مؤكداً أن قرار السلم والحرب استحقاق سيادي ينحصر حكماً بمؤسسات الدولة الشرعية ومجلس الوزراء مجتمعاً، ومشدداً على رفض منطق مصادرة القرار الوطني أو انفراد أي طرف داخلي باتخاذ خيارات مصيرية ترهن أمن البلاد والعباد.

٢) التحذير الصريح من «المغامرات العبثية»: لم يكن اختيار عبارة «جرّ لبنان إلى مغامرة عبثية جديدة خدمة لمصالح خارجية» مجرد تفصيل لغوي أو إنشائي، بل توصيفاً سياسياً دقيقاً وشديد النبرة لطبيعة المخاطر التي تواجه البلاد. فقد وجه رئيس الحكومة رسالة صريحة مفادها أن اللبنانيين بعد الحروب المتعاقبة وما خلّفته من دمار واسع وخسائر بشرية واقتصادية هائلة، ولن يقبلوا بفرضها عليهم مجدداً خدمة لحسابات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية.

٣) رفض فرض «المصير الأجنبي» وحماية الإرادة الوطنية: نقل التصريح النقاش السياسي من مجرد رفض الحرب لأسباب إنسانية أو اقتصادية إلى مسألة حقوقية وسيادية ترتبط بحق اللبنانيين الأصيل في تقرير مصير دولتهم.

• أبعاد «التغطية الرئاسية» وتكامل أدوار بعبدا والسرايا

تكتسب نبرة سلام الشديدة ثقلاً استثنائياً عند ربطها بالسياق المكاني الذي قيلت فيه، إلى جانب الموقف الرئاسي الموازي والجامع الذي شهدته أروقة قصر بعبدا في اليوم نفسه:

أ) الرمزية المكانية والعرف السياسي: أدلى سلام بموقفه الحازم من المقر الرسمي لرئاسة الجمهورية إثر اجتماع عمل مغلق مع الرئيس جوزاف عون. وفي الأعراف السياسية اللبنانية، فإن خروج رئيس الحكومة بموقف استراتيجي حاد يمس الأمن القومي والسياسة الخارجية من منبر بعبدا تحديداً لا يتم إلا بعلم، وتنسيق، وتوافق تام مع رئيس الجمهورية، مما يلغي أي مقولة حول وجود تباين أو تردد في رأس السلطة التنفيذية.

ب) ترميم العلاقات مع العمق العربي والخليجي: يعكس هذا التناغم الرئاسي - الحكومي سعياً رسمياً حثيثاً لإعادة بناء جسور الثقة مع المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي والأسرة العربية كافة، عبر تأكيد الالتزام المتبادل باحترام السيادة الوطنية لكل دولة، وقطع الطريق أمام أي محاولات لجعل لبنان منطلقاً أو منصة للتدخلات الأمنية أو الإعلامية ضد الأشقاء العرب.

وهنا تبرز أهمية الموقف السعودي الذي لطالما ربط تطوير العلاقات مع لبنان بقدرة الدولة على استعادة قرارها، وبسط سلطتها، والالتزام بمبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول العربية. فالمسألة لا تتعلق فقط بتصحيح العلاقات الدبلوماسية، بل بإعادة بناء الثقة السياسية والاقتصادية، وفتح الطريق أمام تعاون عربي أوسع يساعد لبنان على تجاوز أزماته.

• الملف اليمني وهواجس «الإسناد».. اختبار السيادة ومنع التكرار

يجيء هذا الموقف الرسمي والموحّد في لحظة إقليمية ودولية شديدة الخطورة والتعقيد؛ فمن جهة، يطرح ملف الاتهامات المتعلقة بالدور العسكري الخارجي لحزب الله في اليمن اختباراً جديّاً لمدى قدرة الدولة اللبنانية على إلزام كافة أطرافها بالقوانين والمصالح الوطنية العليا، ومنع تعريض العلاقات العربية واللبنانيين المغتربين للخطر.

ومن جهة أخرى، تلوح في الأفق الإقليمي هواجس تكرار سيناريو «حرب الإسناد»، في ظل التهديدات المتصاعدة بين واشنطن وتل أبيب وطهران، والحديث المستمر عن ضربات احتمالية وتغييرات في خارطة النفوذ. وهنا تكمن النقطة الأكثر خطورة وأهمية في موقف سلام، إذ يسعى الموقف الرسمي إلى الاستباق والقطع مع أي محاولة لإقحام الساحة اللبنانية في مواجهة جديدة تحت أي عنوان إقليمي أو شعار مساندة، والتأكيد على أن لبنان ليس ملزماً بجعل استقراره وأمنه رهينة لحسابات أي دولة أخرى، مهما بلغت درجة التحالف أو الصداقة معها.

• من التوافق السياسي إلى الاختبار التنفيذي والعملي

على الرغم من الأهمية الاستراتيجية لهذا التقاطع بين عون وسلام، فإن التحدي الحقيقي والفعلي الذي يواجه العهد والحكومة يكمن في كيفية الانتقال بالموقف من مساحة التحذير السياسي والشعار السيادي إلى مستوى القرار التنفيذي الميداني والمؤسساتي:

- تفعيل القوى الشرعية والغطاء العسكري: إن تثبيت حصرية قرار الحرب والسلم يستوجب ترسيخ مرجعية الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية على كافة الأراضي اللبنانية، وترجمة البيان الرسمي إلى إجراءات عملانية تمنع السلاح غير الشرعي من اتخاذ أي خطوات أحادية في الميدان.

- المظلة الدبلوماسية والالتفاف الوطني الشامل: يقع على عاتق مجلس الوزراء قيادة حراك دبلوماسي واسع على المستويين العربي والدولي لحماية لبنان، وتوفير الضمانات الدولية لخروجه من دائرة الاستهداف الإسرائيلي الدائم، بالتوازي مع العمل على إيجاد موقف وطني جامع يتجاوز الانقسامات التقليدية؛ إذ إن منع الحرب ليس مطلب فريق  سياسي ضد آخر، بل هو مصلحة وطنية عليا تعني جميع اللبنانيين، وفي مقدمتهم أبناء الجنوب والمناطق الحدودية الذين سددوا الفاتورة الأكبر من أرواحهم وممتلكاتهم.

• من الإعلان إلى الممارسة: قرار الحرب والسلم بيد الدولة

المعادلة الرسمية باتت واضحة ومحددة: الدولة أولاً، وقرار الحرب والسلم للمؤسسات الدستورية الشرعية، والعلاقات العربية ركيزة أساسية للسيادة والاستقرار. وهي معادلة تتطلب التحوّل من موقف معلن في وسائل الإعلام إلى  سياسة وطنية ثابتة ونافذة، لحماية حق اللبنانيين الأصيل في تقرير مصيرهم، وبناء دولتهم القوية والمستقلة بعيداً عن أهواء الصراعات الإقليمية.

زياد سامي عيتاني - اللواء

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o