المركزية- على أهمية الزيارة السورية الرسمية الاولى الى لبنان بعد سقوط نظام الاسد وما حملت من معطيات ومؤشرات سياسية فتحت صفحة جديدة بين البلدين، بقي الحدث الاهم على الاطلاق اليوم في غزة، مع دخول المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن قطاع غزة حيز التنفيذ، واعلان واشنطن نيتها نشر نحو 200 جندي أميركي ضمن قوة مشتركة لمراقبة تنفيذ الترتيبات الأمنية، في خطوة تمثل أول وجود ميداني أميركي رقابي في إطار خطة "ما بعد الحرب"، الضبابية، فيما يزور ترامب اسرائيل يوم الإثنين المقبل، في زيارة خاطفة سيلقي خلالها كلمة أمام الكنيست قبل أن يغادر من دون أي لقاءات رسمية إضافية.
قبل ان يبدأ وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني زيارته الى بيروت، تبلغت وزارة الخارجيّة اللبنانيّة عبر السفارة السوريّة في لبنان، قرار تعليق عمل المجلس الأعلى اللبناني السوري وحصر كل أنواع المراسلات بين البلدين بالطرق الرسميّة الدبلوماسيّة. خبر انتظره اللبنانيون طويلاً فشكل اول غيث الزيارة السورية المأمول ان تفضي الى اختراقات كبيرة وتفاهمات تبدو سوريا ما بعد الاسد تريدها بقوة استنادا الى تصريحات الشيباني والى ما اكد عليه في لقاءاته بحسب ما اكدت مصادر شاركت في جانب من اللقاءات لـ"المركزية" من انها لمست اصرارا من الدبلوماسي السوري على تشجيع لبنان على الانخراط في مرحلة تطوير واعمار سوريا وهو ما يتطلب تنسيقا وتعاونا في هذا المسار الاقتصادي التنموي مع لبنان لما فيه مصلحة البلدين.
وصول الشيباني: وعلى وقع ترقب لما ستنتجه الزيارة تحديداً في ما يتّصل بآليّات متابعة ملف الموقوفين، وترسيم وضبط الحدود البرّيّة، وتفعيل القنوات الدبلوماسيّة بما يضمن المصالح المشتركة للبلدين، بدأ شيباني ،ووزير العدل مظهر الويس ووفد مرافق زيارة لبيروت جال خلالها على كبار المسؤولين، باستثناء رئيس مجلس النواب نبيه بري، ونقل دعوة الى رئيس الجمهورية جوزاف عون لزيارة دمشق، كما وجه عون دعوة مماثلة للشرع لزيارة بيروت.
بعبدا: في بعبدا، ابلغ رئيس الجمهورية وزير الخارجية السورية خلال استقباله مع وزير العدل والوفد المرافق، ان لبنان يتطلع الى تعزيز العلاقات بين البلدين الشقيقين على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتفعيل التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية بما يحقق الاستقرار في كل من لبنان وسوريا. واعتبر الرئيس عون ان تعميق العلاقات الثنائية وتطويرها يتم من خلال تأليف لجان مشتركة تبحث في كل الملفات العالقة، واهمها الاتفاقيات المعقودة بين البلدين والتي تحتاج حتما الى إعادة ودرس وتقييم. وأشار الى ان القرار السوري بتعليق العمل في المجلس الأعلى اللبناني-السوري يستوجب تفعيل العلاقات الديبلوماسية. "وننتظر في هذا الإطار تعيين سفير سوري جديد في لبنان لمتابعة كل المسائل من خلال السفارتين اللبنانية والسورية في كل من دمشق وبيروت." وقال الرئيس عون للوزير الشيباني: "امامنا طريق طويل، ومتى صفت النوايا فان مصلحة بلدينا الشقيقين تسمو على كل الاعتبارات، وليس لدينا خيار سوى الاتفاق على ما يضمن هذه المصلحة".ولفت الرئيس عون الى ان الوضع على الحدود اللبنانية-السورية بات أفضل من السابق، وان المسائل التي تستوجب المعالجة كما اتفقنا عليها مع الرئيس السوري احمد الشرع خلال لقاءين سابقين في القاهرة والدوحة أبرزها موضوع الحدود البرية والبحرية، وخط الغاز، ومسألة الموقوفين. وسنعمل على درس كل هذه القضايا انطلاقا من المصلحة المشتركة". وقال: "المنطقة شبعت حروبا وهدرا للمقدرات التي ينبغي ان تستثمر حتى تعيش شعوبنا بكرامة بعدما دفعت الكثير من العذاب وعدم الاستقرار."
طي صفحة االماضي: وكان الوزير الشيباني نقل الى الرئيس عون تحيات الرئيس الشرع، شاكرا الحفاوة التي لقيها خلال الزيارة، مؤكدا على أهمية العلاقات التاريخية التي تجمع بين لبنان وسوريا والتي يفترض تعميقها وتصحيح ما حصل في السابق والذي اساء الى صورة سوريا.ودعا الوزير السوري الى تعميق التعاون في كل المجالات لاسيما المجالين الاقتصادي والتجاري مع وجود هذا الانفتاح على سوريا وبعد رفع العقوبات عنها، لان لبنان يمكن ان يستفيد من هذه التطورات الإيجابية. وجدد الوزير الشيباني التأكيد على سيادة لبنان والحرص على إقامة علاقات متينة قائمة على الاحترام والتعاون. "ونتطلع الى ان نطوي صفحة الماضي لأننا نريد ان نصنع المستقبل." وقال ان بلاده جاهزة لمناقشة أي ملف عالق سواء كان ملفا اقتصاديا او امنيا. اضاف : "لقد عانت شعوبنا من الحروب والمآسي، فلنجرب السلام." وقال: "لبنان بلد الفرح والسعادة، وقدرنا ان تكون علاقاتنا الثنائية مرتكزة على أساس الاخوة والتعاون." وعن موضوع النازحين السوريين قال: نحن نشكرلبنان وشعبه على هذا الكرم وهذه الإستضافة. ونتوقع بعد زوال السبب الذي كان دفع الناس الى الهجرة والنزوح ان يتم حل هذا الموضوع تدريجا. هناك خطط نناقشها اليوم بدعم دولي لكي تكون هناك عودة كريمة ومستدامة، وتعالج الوضع ما بعد الحرب في سوريا من خلال البنى التحتية وإعادة الإعمار وغير ذلك.
اجتماعات في السراي: ثم انتقل الشيباني والوفد المرافق الى السراي الحكومي يرافقه الوزير رجي للقاء الرئيس نواف سلام وإجراء محادثات معه.وعُقد في السراي الحكومي اجتماعٌ بين سلام، ونائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري، ورجي، ووزير العدل عادل نصّار، مع الشيباني، ووزير العدل مظهر الويس، والوفد المرافق. وأكد الرئيس سلام خلال اللقاء أن لبنان حريص على بناء علاقات سليمة ومتوازنة مع سوريا، على قاعدة التعاون بين دولتين مستقلتين تربطهما الجغرافيا والتاريخ، مشدّدًا على أن الانفتاح والحوار الصادق هما الطريق الوحيد لترسيخ الاستقرار في البلدين والمنطقة.
وعقد أيضا في السراي اجتماع بين المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير ومساعد وزير الداخلية السوري للشؤون الأمنية اللواء عبد القادر طحان.كما عقد اجتماع بين مدير المخابرات في الجيش اللبناني العميد الركن طوني قهوجي ورئيس جهاز الاستخبارات السوري حسين السلامة.
الخارجية: وفي الخارجية حيث استهل لقاءاته، استقبل الوزير يوسف رجي، الشيباني الذي لبّى الدعوة لزيارة بيروت، وعقدا لقاء ثنائيا تبعه جلسة محادثات موسّعة بين الجانب اللبناني والوفد السوري.
رد القوات: في المقلب الداخلي، وبعد الاخذ والرد بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس سلام حول واجب الحكومة تجاه اهل الجنوب، صدر عن الدائرة الإعلامية في حزب القوات اللبنانية البيان الآتي:يتباكى البعض في الوقت الحاضر على قرى الجنوب وأهله، وعلى الجنوب عمومًا، ويوجّه أصابع الاتهام إلى الحكومة الحالية، وكأنها هي المسؤولة عن عدم إعادة الإعمار. ونحن نسأل هذا البعض: من اتخذ قرار الدخول في حرب "الإسناد" التي انطلقت في 8 تشرين الأول 2023، وأدت إلى تدمير الجنوب؟هل كانت الحكومة هي من اتخذ هذا القرار؟ وهل كانت موافقة عليه؟وأين كان هذا البعض الذي يتباكى اليوم على الأطلال عندما اتُّخذ القرار؟ نقول لهذا البعض، ليس من منطلق السعي إلى مماحكات إعلامية، بل من باب وضع الأمور في نصابها الحقيقي.أما النقطة الثانية، والأهم، فهي أن إعادة الإعمار تتطلّب أموالًا طائلة، في وقتٍ لم تتمكن فيه الدولة حتى الآن من التقدُّم قيد أنملة على طريق الخروج من الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت لبنان منذ العام 2019. فمن أين ستأتي الدولة بالأموال لإعادة الإعمار؟وسؤال استطرادي: حتى لو توفرت هذه الأموال من جيوب اللبنانيين – وهو أمر مستحيل – فبأي حق تُصرف من جيوب الأكثرية الساحقة من اللبنانيين الذين كانوا ضد حرب الإسناد وما نتج عنها؟ إن إعادة الإعمار تتطلّب مليارات الدولارات، ولا يمكن تأمينها إلا من خلال أصدقاء لبنان شرقًا وغربًا. ويعرف القاصي والداني أن إحجام أصدقاء لبنان عن مساعدته سببه عدم قيام دولة فعلية تحتكر وحدها قرار الحرب والسلاح. وبالتالي، فإن الطريق إلى إعادة الإعمار معروف، وكل الطرق الأخرى لن تؤدي إلى أي نتيجة.
نتوقف أخيرًا أمام تصريح للرئيس نبيه بري، حين سُئل عن موازنة عام 2026، فأجاب بأن "الموازنة لن تمر إذا لم تتضمّن بندًا واضحًا متعلقًا بإعادة الإعمار".
ونستغرب أن يصدر مثل هذا الكلام عن شخص بعمر الرئيس بري وخبرته، لأن المجلس النيابي مؤسسة دستورية قائمة بذاتها، ولا يمكن لأحد احتكارها أو التحكُّم بها.
أما مسألة تمرير الموازنة أو عدم تمريرها، فهي من شأن الأكثرية النيابية، لا أي جهة أخرى.
هجوم الحزب: وليس بعيداً، استكمل اليوم نواب الثنائي هجومهم على الحكومة التي يشارك فيها، مُصوبين في شكل خاص على وزيري الخارجية والعدل، القواتي والكتائبي، فقال عضو "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب علي فياض: نحن نعتقد أن الدولة اللبنانية، لا تستنفر أدواتها الدبلوماسية وقدراتها السياسية، ولا تدير موقفها التفاوضي، بالمستوى الذي يرقى إلى التصدي الجدي للأعمال العدائية الإسرائيلية".وأضاف: "كيف تفسر لنا السلطة، هذا الغياب التام لوزارة الخارجية، حيث البعثات اللبنانية، في المحافل الدولية عاطلة عن العمل، فلا شكاوى ولا إتصالات ولا بيانات ولا ضغوطات تستعين بصداقات لبنان وعلاقاته الدولية، بل إن وزير الخارجية نفسه، يتحرك على موجة أخرى، تبرر عبر مواقفه وتحركاته ما يتعرض له اللبنانيون، وأما وزير العدل، فينصب جهده على تحقيق الإطباق الحزبي على الأجهزة القضائية، وملاقاة الإستهدافات الخارجية، بإستهدافات داخلية، ترمي الى نزع الحقوق المدنية عن مواطنين لبنانيين، متجاوزا الدستور والقوانين والأصول والقواعد التي تحمي وتنظم هذه الحقوق". وشدد على أن "إنزلاق وزير العدل الى هذا المستوى من تجاوز العدل والقانون، يثير أعلى درجات القلق، ويشكل مؤشرا جديًّا وخطيرًا على تعثر مسار بناء دولة القانون والمؤسسات".
اداء عاجز: اما نائب الكتلة نفسها حسن عز الدين فانتقد "أداء الحكومة اللبنانية الذي وصفه بالضعيف والعاجز"، معتبرًا أنّها "لم تقم بأبسط واجباتها تجاه الجنوب لا في مواساة الأهالي، ولا حتى بتقديم شكوى إلى مجلس الأمن حتى لو كنا نعلم انه لن يستجيب، فإن تقديم الشكوى موقفٌ سياسي ودبلوماسي واجب على الدولة اللبنانية وهو أقلّ الإيمان أمام دماء الشهداء وتضحيات الناس".ودعا الحكومة إلى "العودة إلى الأولويات الوطنية التي وردت في بيانها الوزاري، وأبرزها اخراج العدو من ارضنا المحتلة وتحريرهاواستعادة الاسرى وإعادة الإعمار، بدل الانشغال بصغائر الأمور وتنفيذ إملاءات الخارج وبعض الداخل الذي يتحدث نيابة عن العدو".
اماني في بكركي: في الغضون، وفي زيارة لافتة في توقيتها، قرأ فيها محللون محاولة ايرانية لإيهام الرأي العام ان بكركي راضية عن ايران وممارساتها في لبنان، علماً ان مواقف الصرح واضحة وضوح الشمس لا تبدّلها زيارة ولا محاولة التفاف، استقبل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في بكركي، السفير الإيراني في لبنان مجتبى أماني حيث تم التشديد على سبل "ترسيخ الاستقرار في المنطقة والعالم بعيدا من الحروب المدمرة، وضرورة أن يستعيد لبنان عافيته ودوره الريادي كأرض لقاءٍ وسلام ووطن اخوّة وعيش مشترك".وتم التطرق في خلال اللقاء الى مبادرة وقف اطلاق النار في غزة، فكان تأكيد لأهمية "أن تنتهي لغة الحرب والقتل والدمار التي أنهكت الشرق وأفقرت الشعوب، وضرورة ان يبقى لبنان البلد المحايد والوطن الجميل المتنوّع كحديقةٍ من الأزهار، تُغنيه اختلافاته وتُبهجه وحدته، فإن فُقد هذا التنوّع المتوازن فقد الوطن ذاته".






