جوانا فرحات
المركزية - "سأسجن بيبي وأطرد يائير من أميركا. أقنعيه بالتراجع وإلا فلا تلوموا إلا أنفسكم". قالها دونالد ترامب لزوجة نتنياهو ساره كاشفاً بذلك عن أخطر مواجهة بين دونالد ترامب وعائلة نتنياهو والسبب؟ التهديد بقصف الضاحية الجنوبية . أكثر من ذلك تردد أن ترامب لوّح بسجن نتنياهو وتجميد أصول العائلة داخل الولايات المتحدة وحتى طرد نجله يائير من ميامي ما لم يتراجع عن خطته لاستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت. وأمام الصحافيين قال ترامب أنه صرخ بوجه نتنياهو قائلا "أنت مجنون تماما لولاي لكنت في السجن". فهل بدأت الهوة تتسع بين ترامب ونتنياهو؟
في واشنطن لم يعد السؤال يدور حول الحرب فقط بل عما إذا كان البيت الأبيض نفسه يستعد لمرحلة ما بعد نتانياهو. مصادر مطلعة على أجواء المفاوضات تؤكد لـ"المركزية" أن الحديث داخل الكونغرس يحمل الكثير من الإيجابيات حتى أن أحد الاعضاء البارزين أكد له أن أمام لبنان فرصة تاريخية لكي يضمن مستقبلا أفضل لا سيما في ضوء التطورات الأخيرة. وعلى الدولة اللبنانية أن تغتنم هذه الفرصة التي لن تتكرر ربما.
وفي شأن التباين الحاصل بين الرئيس ترامب ونتنياهو على خلفية التهديد بقصف الضاحية واعتبار اتفاق وقف إطلاق النار أمس ذريعة لحزب الله لإعادة تنظيم وتكوين هيكليته العسكرية، تقول المصادر "حتى الآن لا توجد معلومات عن اعتراض أعضاء في الحكومة الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بعد الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية –الإسرائيلية أمس في واشنطن. لكن التقارير الصادرة تُظهر وجود تيار قوي داخل اليمين الإسرائيلي، وخصوصاً في المناطق الشمالية المحاذية للبنان، يعتبر أن الاتفاق جاء نتيجة ضغوط أميركية وأنه لا يحقق الضمانات الأمنية المطلوبة لإسرائيل. نتنياهو مثلا، وعلى رغم موافقته على الاتفاق، شدد على أن إسرائيل تحتفظ بحرية العمل العسكري ضد أي تهديد من لبنان، ما يعكس تحفظاً على أي وقف إطلاق نار يقيّد العمليات الإسرائيلية بالكامل.
"الاعتراض داخل اليمين الإسرائيلي لا يتركز على مبدأ التفاوض مع لبنان، بل على ثلاثة أمور وفق المصادر: الخشية من أن يمنح الاتفاق حزب الله فرصة لإعادة تنظيم صفوفه، والاعتراض على الضغوط التي مارسها الرئيس ترامب لمنع توسيع العمليات العسكرية في بيروت والضاحية الجنوبية، وأخيراً الإعتقاد بأن أي وقف إطلاق نار يجب أن يسبقه تنفيذ كامل لبند إبعاد عناصر حزب الله عن جنوب الليطاني وتجريد المنطقة من القدرات العسكرية للحزب. لذلك، يمكن القول إن المعارضة الإسرائيلية الحالية تبدو حتى الآن أكثر حضوراً في الأوساط السياسية والأمنية والانتخابية اليمينية منها في صورة تمرد حكومي علني ومنظم داخل مجلس الوزراء".
بالنسبة لترامب الحسابات مختلفة جدا" منذ انطلاق المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن خلال الأشهر الماضية، تعامل مع الملف اللبناني باعتباره فرصة سياسية ودبلوماسية نادرة. فالإدارة الأميركية سعت إلى إنتاج نموذج مختلف عن الحروب المفتوحة في المنطقة، يقوم على تثبيت وقف إطلاق النار، وتعزيز دور الدولة اللبنانية في الجنوب، وإبعاد شبح الحرب الشاملة بين إسرائيل وحزب الله. وقد انتهت الجولة الأخيرة إلى تفاهمات تضمنت مناطق أمنية خاضعة للجيش اللبناني ووقفاً متبادلاً للهجمات واستكمال المفاوضات السياسية لاحقاً. ولهذا السبب تدخّل ترامب شخصياً لمنع ضربة إسرائيلية واسعة على الضاحية الجنوبية لبيروت عندما بدا أن إسرائيل تستعد لتوسيع عملياتها العسكرية.
في المقابل، ينظر نتنياهو إلى المشهد من زاوية مختلفة تماماً. فخطابه السياسي قام منذ بداية الحرب على فكرة أن الأمن الإسرائيلي لا يمكن أن يخضع للاعتبارات الدبلوماسية وحدها، وأن أي تهدئة يجب أن تسبقها ترتيبات ميدانية تضمن تحييد التهديدات القادمة من لبنان.
لهذا السبب لم يتعامل نتنياهو مع وقف إطلاق النار بوصفه نهاية للمواجهة، بل كأداة ضغط لتحقيق شروط إسرائيل الأمنية. وعندما استمرت الهجمات المتبادلة أو عندما اعتبرت إسرائيل أن حزب الله لم يلتزم بالكامل بالتفاهمات، عاد الحديث الإسرائيلي عن توجيه ضربات إلى الضاحية الجنوبية أو توسيع العمليات العسكرية. ومن هنا نشأ جوهر الخلاف. واللافت أن ترامب لم يكتفِ بالاعتراض الدبلوماسي التقليدي، بل خرجت إلى الإعلام تفاصيل غير مألوفة عن طبيعة المكالمة بين الرجلين، ما يوحي بأن الخلاف تجاوز مجرد اختلاف تكتيكي وأصبح يمس طريقة إدارة الأزمة نفسها.
لكن على رغم الضجة الإعلامية، من المبكر الحديث عن أزمة استراتيجية بين واشنطن وتل أبيب. فالعلاقة بين ترامب ونتنياهو ما زالت قائمة على أسس قوية تتعلق بالأمن الإقليمي ومواجهة النفوذ الإيراني.
لكن ما حدث يكشف عن تحول مهم. فالرئيس الأميركي لم يعد مستعداً لمنح الحكومة الإسرائيلية حرية مطلقة إذا كانت تحركاتها تهدد مشروعه الدبلوماسي ويرى أن نجاحه في فرض التهدئة في لبنان وفي دفع مسارات التفاوض الإقليمية يمثل جزءاً من إرثه السياسي، ولذلك فهو ينظر إلى أي تصعيد إسرائيلي غير منسق باعتباره تهديداً مباشراً لهذا المشروع.
أما نتنياهو، فيدرك أن بقاءه السياسي مرتبط بإظهار أنه لم يتراجع أمام حزب الله أو إيران، وأنه ما زال يحتفظ بحق استخدام القوة متى رأى ذلك ضرورياً. ولذلك فإن الضغوط الأميركية تصطدم باعتبارات داخلية إسرائيلية لا تقل أهمية عن الاعتبارات الأمنية نفسها.
ومن هنا يمكن القول إن ما يجرى بين واشنطن وتل أبيب ليس مجرد خلاف عابر حول غارة أو ضربة جوية، بل اختباراً حقيقياً لحدود النفوذ الأميركي على القرار الإسرائيلي، ولقدرة الدبلوماسية على كبح منطق الحرب في واحدة من أكثر ساحات الشرق الأوسط قابلية للانفجار".






