11:53 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

حرب كبرى أم "اشتدّي أزمة تنفرجي"؟

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

في خضم الغليان الذي يضرب الشرق الأوسط والعالم، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل نحن أمام حرب كبرى تتسع دوائرها يوماً بعد يوم، أم أمام أزمة بلغت ذروة التصعيد قبل أن تبدأ مرحلة الانفراج؟
المشكلة أن المشهد لا يسمح بإجابة سهلة. فالمنطقة لا تواجه أزمة واحدة يمكن احتواؤها بقرار أو اتفاق، بل مجموعة أزمات متشابكة، من المواجهة الأميركية ـ الإيرانية، إلى الحرب الإسرائيلية، إلى غزة ولبنان واليمن، وصولاً إلى أمن الخليج والممرات البحرية والطاقة.
نحن، إذاً، لسنا أمام أزمة عابرة حتى نقول ببساطة: "اشتدي أزمة تنفرجي"، ولسنا في الوقت نفسه أمام حرب شاملة لا يمكن وقفها. نحن أمام حرب إقليمية مفتوحة الأبواب، فيما لا تزال هناك محاولات لإغلاق هذه الأبواب قبل أن تتحول المواجهة إلى حرب أوسع.
وهنا تكمن الخطورة.
فالسياسة تستطيع أن تفاوض، لكن حادثاً عسكرياً كبيراً قد يفرض مساراً آخر. صاروخ يصيب هدفاً حساساً، ضربة توقع عدداً كبيراً من الضحايا، استهداف منشأة نفطية، أو توسع جبهة جديدة، كلها أحداث يمكن أن تنقل المنطقة من مرحلة الضغط المتبادل إلى مرحلة يصعب فيها ضبط ردود الفعل.
وماذا عن لبنان؟
لبنان، كالعادة، يقف في المكان الأكثر حساسية، لا لأنه يملك قرار الحرب والسلام وحده، بل لأن أي توسع في المواجهة الإقليمية يمكن أن يجد في جنوبه إحدى ساحاته.
الجنوب لا يعيش استقراراً حقيقياً، ووقف إطلاق النار لم يتحول إلى تسوية نهائية، فيما تبقى المواجهات والضربات المتبادلة عاملاً دائماً في المشهد.
والأكثر حساسية أن نهاية مهمة اليونيفيل في لبنان تقترب، الأمر الذي يطرح سؤالاً كبيراً حول شكل الترتيبات الأمنية التي ستليها، ودور الجيش اللبناني، وكيف ستُدار المنطقة الحدودية في مرحلة انتقالية شديدة الدقة.
وهنا يجب ألا نخطئ في قراءة المشهد: الخطر على لبنان ليس فقط أن تندلع حرب جديدة، بل أن يجد نفسه عالقاً في حرب إقليمية طويلة، لا تنتهي ولا تتوسع بما يكفي لإعلان حرب شاملة، لكنها تستنزفه يوماً بعد يوم.
وهذا ربما يكون أخطر من الحرب القصيرة.
فالحرب الواضحة لها بداية ونهاية وأهداف معلنة، أما الحرب المفتوحة على الاحتمالات فتُبقي الدولة والمواطن والاقتصاد والأمن في حالة انتظار دائم.
كيف نعرف أن المنطقة تتجه فعلاً إلى حرب أوسع؟
هناك علامات تستحق المراقبة:
إذا توسعت الضربات في لبنان خارج نطاق الجنوب، وإذا تحولت المواجهة الأميركية ـ الإيرانية إلى مواجهة مباشرة مفتوحة، وإذا تعرضت منشآت الطاقة في الخليج لضربات واسعة، أو أُغلق مضيق هرمز بصورة مستمرة، أو انهارت قنوات التفاوض والوساطة، أو سقطت ترتيبات وقف إطلاق النار في لبنان بشكل كامل، عندها يصبح الحديث عن توسع الحرب أكثر جدية.
أما إذا حصل العكس، وبدأنا نشهد تثبيتاً لوقف إطلاق النار، وعودة إلى التفاوض الأميركي ـ الإيراني، وترتيبات واضحة للجنوب اللبناني، وتفاهمات حول أمن الخليج والممرات البحرية، فقد نكون أمام بداية احتواء للأزمة.
لكن السؤال اللبناني يبقى مختلفاً
هل يستطيع لبنان أن يبقى خارج هذه المواجهة؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يشغلنا، لا فقط سؤال: من سينتصر ومن سيخسر؟
فلبنان لا يحتمل حرباً جديدة، ولا يحتمل أيضاً أن يبقى رهينة لحروب الآخرين. لا يحتمل اقتصادياً، ولا اجتماعياً، ولا أمنياً، ولا حتى على مستوى قدرة الدولة على القيام بأبسط وظائفها.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة ليست امتحاناً للأطراف المتحاربة فقط، بل امتحان للدولة اللبنانية أيضاً: هل تستطيع أن تحمي قرارها الوطني، وتحصّن حدودها، وتمنع أن يتحول لبنان مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟
ربما لا نستطيع اليوم أن نقول إننا ذاهبون حتماً إلى حرب كبرى، كما لا نستطيع أن نطمئن أنفسنا بأن الانفراج بات قريباً.
لكن ما نستطيع قوله إن المنطقة تقف على حافة مرحلة جديدة.
فإما أن تنتصر لغة المصالح والحسابات السياسية على منطق التصعيد، فتبدأ الأزمة بالتراجع تدريجياً...
وإما أن يقع الحدث الذي يغيّر قواعد اللعبة، وعندها قد لا يعود السؤال: "اشتدي أزمة تنفرجي؟"
بل يصبح السؤال:
كم بقي من الوقت قبل أن تتحول الأزمة إلى حرب لا يستطيع أحد أن يوقفها؟

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o