10:12 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

"حرب الناقلات"... استنساخ أم أكثر؟

في ثمانينيات القرن الماضي، شهد الخليج سلسلة من الهجمات التي استهدفت ناقلات النفط والسفن التجارية. اليوم، يعود منطق حرب الناقلات إلى الواجهة، ولكن ضمن مواجهة أوسع وأكثر تعقيدًا، وبأدوات مختلفة وأكثر تطورًا. في ذلك الوقت، كانت الأدوات الأساسية تتمثل في الألغام البحرية، والصواريخ المضادة للسفن، والطائرات، والزوارق والسفن الحربية. أما اليوم، فقد أضيفت إليها المسيّرات، والصواريخ الأكثر تطورًا، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وشبكات الوكلاء الإقليميين، فضلًا عن استهداف البنية التحتية للطاقة والاتصالات والإنترنت.

الحرب العراقية–الإيرانية، التي بدأت في عام ١٩٨٠، توسعت بعد أربع سنوات، حين وسّع العراق عملياته ضد المنشآت النفطية والسفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية، ولا سيما جزيرة خرج، التي كانت وما زالت تمثل أحد أهم مراكز صادرات النفط الإيرانية.

في تلك المرحلة، كثّف العراق هجماته على الملاحة المرتبطة بإيران، مستخدمًا طائرات مسلّحة بصواريخ إكزوسيت (Exocet) المضادة للسفن. ومع تعذّر تحقيق حسم عسكري على الجبهة البرية، أصبح النفط، أهم مصادر تمويل الحرب الإيرانية، هدفًا استراتيجيًا.

إيران لم تقف مكتوفة الأيدي، فردّت باستهداف السفن المرتبطة بدول خليجية داعمة للعراق، وفي مقدمتها الكويت. ومع غياب الحسم، تحولت المواجهة البحرية تدريجيًا إلى حرب استنزاف امتدت سنوات. وكان هناك تفاوت أساسي بين الطرفين: اعتمدت إيران بدرجة كبيرة على الخليج لتصدير نفطها، في حين امتلك العراق بدائل لتصدير جزء من نفطه عبر خطوط الأنابيب البرية. وهكذا تحولت الملاحة في الخليج، والطرق المؤدية إلى مضيق هرمز، إلى عنصر أساسي في ميزان الحرب.

وبعد نحو عامين، حققت إيران تقدمًا بريًا مهمًا بسيطرتها على شبه جزيرة الفاو العراقية، وازداد الضغط على الكويت ودول الخليج الداعمة للعراق. ومع تصاعد التهديدات للملاحة، ازداد الانخراط الدولي، ولا سيما الأميركي، في الخليج، وأطلقت الولايات المتحدة عملية Earnest Will، التي تولّت خلالها البحرية الأميركية حماية ناقلات نفط كويتية أُعيد تسجيلها ورفع العلم الأميركي عليها.

وفي أولى القوافل، اصطدمت الناقلة الكويتية السابقة الرقة، التي أصبحت تحمل اسم Bridgeton بعد تسجيلها تحت العلم الأميركي، بلغم إيراني. ومنذ تلك المرحلة، بدأت طبيعة المواجهة تتغير، وانتقلت الولايات المتحدة تدريجيًا من حماية الملاحة والناقلات إلى الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة مع إيران. وبلغ التصعيد مستوى أكثر خطورة عندما اصطدمت الفرقاطة الأميركية USS Samuel B. Roberts بلغم إيراني. ردّت الولايات المتحدة بإطلاق عملية Praying Mantis، التي هاجمت خلالها أهدافًا ومنشآت وقطعًا بحرية إيرانية.

كان العراق يستعيد زمام المبادرة على الجبهة البرية، فيما كانت إيران تواجه استنزافًا اقتصاديًا وبشريًا متراكمًا بعد نحو ثماني سنوات من الحرب. كان ٣ تموز ١٩٨٨ تاريخًا فاصلًا، حين أسقطت السفينة الأميركية USS Vincennes طائرة الركاب الإيرانية Iran Air Flight 655، ما أدى إلى مقتل جميع ركابها وأفراد طاقمها، وعددهم ٢٩٠ شخصًا. وقد شكّلت الحادثة عاملًا إضافيًا في إدراك طهران مخاطر اتساع المواجهة مع الولايات المتحدة، من دون أن تكون العامل الوحيد الذي دفع إيران نحو إنهاء الحرب.

وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر القرار ٥٩٨، الذي دعا إيران والعراق إلى وقف فوري لإطلاق النار، ووقف العمليات العسكرية برًا وبحرًا وجوًا، والانسحاب إلى الحدود المعترف بها دوليًا. وافق العراق، في حين لم تقبله إيران فور صدوره، ثم وافق الخميني، بجملته الشهيرة: «تجرّعت كأس السم»، في تعبير يعكس مدى صعوبة القرار بالنسبة إلى القيادة الإيرانية آنذاك.

ومع توقف الحرب العراقية–الإيرانية، تراجعت تدريجيًا الهجمات على الملاحة، وانتهت المرحلة التي عُرفت باسم "حرب الناقلات".

وإذا كانت حرب الناقلات "الأولى" قد انتهت عندما توقفت الحرب التي أنجبتها، فإن السؤال اليوم:  هل يستفيد المتنازعون في مضيق هرمز اليوم من أحداث مشابهة جرت قبل أربعة عقود؟ وكيف يمكن أن تتوقف حرب "ناقلات ال٢٠٢٦؟ 

لميس شقير - ٢٢ أيلول ٢٠٢٦
 

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o