منذ أن وُقّع ال اتفاقُ الإطار بين لبنان والولايات المتحدة واسرائيل، يوم الجمعة الماضي، دَخَلَتْ “بلاد الأرز” مرحلةً بدت معها وكأنّها أسيرة مَساريْن يتصارعان، واشنطن وإسلام أباد، وسط قرْعِ طبولٍ في بيروت أوحى باضطرابٍ أمني وسياسي وبمعادلاتٍ على طريقةِ “إما سقوط الحكومة في الشارع أو إسقاط الاتفاق في مجلس النواب”.
وبين “الصوت العالي” لـ”الحزب” في “شَيْطَنَةِ” الاتفاق الإطار، وارتسام ملامح مواجهة سياسية – دستورية يلوّح بها رئيس البرلمان نبيه بري للانقضاض على الاتفاق الذي اعتُبر “سَحْباً للبساط من تحت أقدام” إيران في لبنان، اتّجهتْ الأنظارُ إلى مآلات المسار التنفيذي للبنود الـ 14 من “الإطار الثلاثي” والذي يُسابِقُ إصرارَ طهران على أن “الأمرَ لي” من بوابة مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة.
وعلى وهج هذه المناخات الصاخبة، حاورتْ “الراي” رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، وفي ما يأتي نص الحديث معه الذي ينشر غدًا:
* لبنان اليوم كأنه “دولة ما بين المساريْن”، واشنطن واسلام اباد، كلٌّ منهما يشدّ في اتجاهٍ معاكس … والاتفاق الإطار اعتُبر واقعياً أفضل الممكن في حين أنكم وصفتموه بأنه أهمّ إنجاز منذ نصف قرن … هل يستحقّ إخراجُ نفوذ طهران من لبنان كما قلتُم، الذهابَ نحو “اتفاق شيطاني” كما قال عنه “الحزب”؟
– الاتفاقُ ليس شيطانياً، بل ما وَصَلْنا إليه كان هو “الوضعية الشيطانية” بكل ما للكلمة من معنى، حيث زُجّ لبنان وشعبه في أوضاع بائسة ومدمّرة نعيشها منذ أكثر من 40 عاماً في شكل أو آخَر وبتموّجاتٍ متفاوتة في عَصْفها، ومَنَعَتْ على بلدنا أي تطوّرٍ أو تَقَدُّمٍ فعلي، وأدت الى موجاتِ هجرة لشبابنا وشاباتنا الذين بحثوا عن المستقبل خارج وطنهم. وهذه هي الأوضاع الشيطانية وليس الاتفاق الإطار.
ولا شك في أن الاتفاق ليس مثالياً، ولكن كأيّ اتفاقٍ فهو يعكس موازين القوى التي أُنجز في ظلّها. وللأسف، فإن “الحزب”وَضَعَ لبنان في ورطة “طويلة عريضة” لم يكن هناك مجال لمحاولة الخروج منها، إلا بالذهاب لهكذا اتفاقٍ أعتبره اتفاق الضرورة التي أوْجَدَنا فيها الحزب.
أما لماذا أعتبر أن هذا أهمّ عمل قامتْ به الحكومة اللبنانية في الأعوام الخمسين الماضية، فلأن الاتفاقَ يعني القَفْلَ النهائي للخاصرة النازفة والمتفجّرة في جنوبنا والتي حوّلت لبنان ساحةً للعبَث به كرمى لمصالح خارجية. وكانت لدينا اتفاقية الهدنة (1949)، وخيراً فعل مَن أقرّوها مِن أسلافنا، ولكن للأسف وبحلول العام 1964 بدأ التلاعب بهذا الاتفاقية، بل تم الضرب بها عرض الحائط، هي التي كان كلٌّ من لبنان واسرائيل بموجبها، يتحمّلان مسؤولية أي هجماتٍ عسكرية تتم عبر أراضيهما ضدّ الفريق الآخر.
فمنذ أن راحتْ تتوالى المقاوماتُ على الحدود الجنوبية للبنان، فُتحت أبواب جهنم علينا، من المقاومة الفلسطينية ابتداءً من 1964 و 1965، وصولاً للمقاومة الوطنية في أوائل الثمانينات، وليس انتهاءً بالمقاومة الاسلامية مع “الحزب”” من منتصف الثمانينات وما بعدها. وتَسبَّبتْ هذه الخاصرة المتفجّرة والملتهبة في شكلٍ دائم بالتهابِ لبنان بعدما صار في وضعيةٍ متفجّرة – وإن لم تكن الأعمال العسكرية في كل أنحائه – وبتقويضِ ركائز الدولة ومُصادَرة قرار الحرب والسِلم منها، وبجَعْل الحياة الوطنية والسياسية رهينة المغامراتِ والتعطيل وتعريض البلاد للانهيارات الاقتصادية والمالية التي طالت كل بيت وعائلة.
وأهميةُ الاتفاق الذي وُقّع في واشنطن أنه لن يُنْهي الحربَ فقط، بل سيقفل هذه الخاصرة مرةً لكل المرات، بما يتيح أن يعود لبنان دولةً طبيعيةً، وذلك بمعزلٍ عن بعض تفاصيل الاتفاق التي كنا نتمنى أن تكون أفضل، ولكن هذا لم يكن مُمْكِناً انطلاقاً من موازين القوى الموجودة.
* ولكن الإشكالية التي تواجه الاتفاقَ تكمن في أن لبنان قال كلمتَه ووضَع “خَتْمَه” الرسمي عليه في حين أن نفوذ ايران في لبنان يرتكز على ان “الخاتمة” لملف “الحزب” وسلاحه في يدها وأن الحزب يملك مفاتيح تنفيذ التزامات الاتفاق، وهو أعلن جهارةً أنه “وُلد ميتاً”، وتالياً ما الذي سيجعل المسار التنفيذي لهذا الاتفاق مختلفاً عن مصير مجمل القرارات التي اتخذتْها الحكومة منذ اغسطس 2025؟
– أمور كثيرة. ويجب النظر في هذا الإطار إلى الصورة الكبيرة التي تحوط بلبنان كما “الحزب”.
فالحزب بات في وضعيةٍ مختلفة، بحيث لم يَعُدْ اليوم، في عدّه وعديده، هو نفسه ما كان عليه في 2023 وحتى في 2024. ونظامُ الأسد، الذي كان من العوامل الاستراتيجية الأهمّ التي حرّكتْ “الحزب”، سَقَطَ وقام مكانه نظامٌ بديل يرفض كل ممارساته وسياساته وأدواره. والدولة اللبنانية الحالية مختلفة عما عرفْناه في المراحل السابقة، والتراكم الذي حصل منذ عام ونصف عام حتى الآن، أي منذ انتخاب الرئيس جوزاف عون وتشكيل حكومة الرئيس نواف سلام، ليس قليلاً. ناهيك عن أن ميزان القوى العام في المنطقة ككلّ، وخصوصاً بعد حرب إيران، تبدّل.اقتصاد لبنان
ومن هنا، نحن أمام عوامل مختلفة تماماً، تجعل “الحزب” في موقع أضعف بكثير مما كان عليه، والدولة اللبنانية في وضعية أقوى بكثير مما كانت عليه. وهذا ما يجعلني أقول إن الاتفاق الإطار لا يمكن إلا أن يَنْتهي بالتنفيذ.
* في ضوء الإقرار بأن مَضامين الاتفاق الإطار ربما تعكس أن وَضْعَ لبنان التفاوضي لم يكن في أفضل حاله … لماذا تصرّون على “شَيْطنة” مسار إيران، وماذا يضير لبنان لو تَرَكَ لطهران أن تحصّل انسحاباً اسرائيلياً من دون أثمان، كما نجحتْ في فرْض التزام اسرائيل بوقف النار وإدراج هذا الأمر في البند الأول من مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة؟
– أولاً ليست إيران مَن فَرَضتْ وَقْفَ نارٍ في لبنان بل الرئيس دونالد ترامب لاعتباراتٍ تتعلّق به وتوْقه إلى الظهور بمظهر مَن يُنْهي الحروب. ورغم أن إيران طلبتْ أن يُشمل لبنان بوقف النار الشامل في المنطقة، فإن تَراجُع العمليات العسكرية في شكل كبير جداً لم يحصل إلا بعد الاتفاق الإطار اللبناني – الاسرائيلي، وقبْلها كانت الحرب وكأنها مستمرّة في الجنوب، وتالياً ليس صحيحاً أن طهران جاءت بوقْف نارٍ جِدي في لبنان.
أما قول إن إيران كانت ستحصّل للبنان انسحاباً اسرائيلياً، فهذا افتراضٌ في الهواء، لأنها لم تتمكّن أولاً من الإتيان بوقف نارٍ جِدي، وإن كانت استطاعتْ إدراجَه كلامياً في مذكّرة التفاهم مع الولايات المتحدة. وحتى الأميركيون، وفي ضوء ما صَدَرَ عن مسؤولين اسرائيليين، لا يمكنهم أن يَأخذوا من اسرائيل الانسحاب كما ينبغي.
والأهمّ، نحن لا نُشَيْطِنُ مسار إسلام أباد، فدور إيران في لبنان هو “المُشيْطَن” بطبيعته. وعندما تسعى طهران لوقْف نارٍ في لبنان – ولنسلّم جَدَلاً أنها ستنجح في ذلك، وطبعاً هذا أقصى ما يمكن أن تأتي به – فإنها لن تفعل ذلك لمصلحة لبنان بل لمصلحة دورها فيه، والفارق هائل بين الأمرين. وأصلاً لم نصل إلى ما نحن عليه اليوم إلا بسبب استعمال إيران الساحة اللبنانية لتقوية وضعيّتها الاستراتيجية في المنطقة ككل، أو لتصفية بعض الحسابات. إذا المسألة ليست “وَداوِني بالتي كانت هي الداء”.






