8:47 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

ترامب: رجل المفارقات الحاكم بمنطق الصدمة والصفقة

تميل مقاربة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى الإفلات من القوالب الجاهزة والتوصيفات السياسيّة المألوفة. فالرجل الذي جعل حضوره الشخصيّ جزءًا أساسيًّا من المشهد العالميّ، لا يُقرأ كرئيس نمطي، بل كظاهرة سياسيّة أعادت طرح مفاهيم القوّة والقيادة والدبلوماسيّة في القرن الحادي والعشرين. إنّه رئيس يصعب فصل قراراته عن شخصيّته، لأنّ شخصيّته نفسها تحوّلت إلى جزء من أدواته السياسيّة.

إنّه شخصيّة جدليّة بامتياز، نادرًا ما تترك لك مجالًا للحياد؛ فإمّا أن تستقطبك أو تستفزّك، لكن قلّما تتركك في موقع وسطيّ إزاءها. وهو رجل المفارقات. رفع شعار "أميركا أوّلًا"، لكنّه لم ينكفئ بها عن العالم، بل سعى إلى إعادة صياغة حضورها الدوليّ على أسس مختلفة، أقل التزامًا بالقواعد المتعارف عليها، وأكثر اعتمادًا على النفوذ والضغط والصفقات. 

هاجم المؤسّسات التقليديّة الأميركيّة والدوليّة، لكنّه في الوقت نفسه عمل على جعل الرئاسة مركز الثقل في السياسات كافة. وتحدّث مرارًا عن رغبته في إنهاء الحروب، لكنّه لم يتردّد في اللجوء إلى الخيار العسكريّ والتهديد به عندما رأى أن ذلك يخدم أهدافه.

غير أنّ وصفه بالمتناقض وحده لا يكفي. فالتعارض عنده لا يبدو مجرّد نتيجة لغياب عقيدة سياسية ثابتة، بل يتحوّل أحيانًا إلى أسلوب في ممارسة السلطة، وإلى مساحة دائمة للمناورة وإعادة التموضع. فهو يتعامل مع السياسة، إلى حدّ كبير، بمنطق تفاوضيّ قريب من منطق رجل الأعمال. المصالح قابلة لإعادة التقييم، والنتائج أهم من الالتزام المسبق بموقف ثابت.

وهنا تكمن إحدى سماته السياسيّة الأكثر وضوحًا. هو لا ينتمي بالكامل إلى الواقعيّة السائدة في العلاقات الدوليّة، ولا إلى المدرسة المثاليّة، ولا إلى المحافظين الكلاسيكيين. إنّه يميل إلى بناء ميزان قوّة يتيح له الدخول في المقايضة من موقع يعتقد أنّه يمنحه الأفضليّة.

وقد جاءت كلمته أمام الجمعيّة العامة للأمم المتّحدة في 22 أيلول لتمنح هذا المنهج مثالًا راهنًا وواضحًا. فقد قدّم نفسه بوصفه الرئيس الذي لا يكتفي بالكلام، بل "يفعل"، وربط هذا التصوّر باستخدام الولايات المتّحدة ثقلها لمواجهة الأخطار وتحقيق النتائج. 

وفي الملف الإيرانيّ، جمع بين التهديد بأقصى درجات التصعيد والإبقاء على باب الاتّفاق مفتوحًا. ففي خطابه لوّح بإمكان "إبادة" الجمهوريّة الإسلاميّة إذا لم يتمّ التوصل إلى اتّفاق، فيما أبقى في الوقت نفسه على احتمال التسوية، وقال في اليوم نفسه إن مسؤولين أميركيين وإيرانيين أجروا محادثات، وإنه يعتقد أن اتفاقًا يمكن أن يُبرم.

وفي هذا الإطار، لم يبرز ضرب إيران وحصارها باعتباره مجرد عمليّة عسكريّة، بل وضعه في إطار أوسع يتّصل بصورة أميركا التي يريد ترسيخها. دولة لا تنتظر تفاقم الأخطار، ولا تتلكأ في اللجوء إلى قدراتها عندما ترى مصالحها مهدّدة. وهو منطق وسّعه أيضًا إلى نصف الكرة الغربيّ، من تشديد القبضة على فنزويلا وتعزيز النفوذ الأميركيّ في قناة بنما، إلى فرض الحضور الأميركي في غرينلاند.

وفي هذا المنطق، لا تبدو الحرب غاية قائمة بذاتها بالضرورة، ولا تعني تحقيق انتصار عسكريّ شامل، بل وسيلة لتغيير حسابات الخصم وإعادة تشكيل شروط التفاوض ودفعه إلى طاولة التفاوض من موقع مختلف. 

هكذا يصبح الضغط جزءًا من عملية التفاوض، ويصبح التفاوض، بدوره، امتدادًا للصراع بوسائل أخرى.

واستراتيجيًّا، كشفت القمّة الأميركيّة - الصينيّة جانبًا آخر من هذه الرؤية، من خلال إعادة تعريف القوّة، لا بوصفها القدرة على حسم التنافس، بل على إدارته. فمن تايوان والتجارة والرسوم، إلى الذكاء الاصطناعيّ والتكنولوجيا والمعادن النادرة والنفوذ في الشرق الأوسط، تتداخل مصالح القوّتين وتتعارض، من دون أن يتحوّل هذا التنافس حتى الآن إلى صدام مباشر.

وفي هذا السياق، تأتي "دبلوماسيّة الباندا" الصينيّة، في موازاة "دبلوماسيّة الصداقة" التي أطلقها ترامب، بوصفهما أداتين لخفض التوتّر وإبقاء الحوار مفتوحًا بين قوّتين تدركان أن التنافس بينهما حتميّ، لكنّ الصدام ليس كذلك.

ولعلّ أصعب ما في التعامل مع ترامب هو استشراف خطوته التالية ومحاولة التنبؤ بها انطلاقًا من مواقفه السابقة وحدها. فهو يحتفظ دائمًا بمساحة واسعة للمناورة، إذا رأى فيها فرصة لتحقيق نتيجة يمكن تقديمها بوصفها إنجازًا سياسيًّا. والأهم أنّه لا يفصل بسهولة بين السياسة

وشخصيّة صانعها. ففي خطابه أمام الأمم المتّحدة، كما في خطابه السياسيّ عمومًا، يطرح نفسه بوصفه جزءًا من الرواية، بل القضيّة بمجملها. هو الذي واجه، وهو الذي تحرّك، وهو الذي صنع النتائج. وقد اختارت الرئاسة الأميركيّة للخطاب عنوانًا يلخّص هذه الصورة: "بينما تحدّث الآخرون، أنا فعلت".

لذلك، قد لا يكون السؤال الأهم بالنسبة إلى منطقتنا ما إذا كان ترامب سيغيّر الشرق الأوسط، بل أيّ شرق أوسط يريد أن يتركه وراءه. فبين الصدمة والصفقة، والتصعيد والتفاوض، تتحدّد ملامح مقاربته لمنطقة لا يتوقف فيها التنافس على إعادة تشكيل موازين القوّة، فيما يبقى الانتقال من الضغط إلى التسوية رهنًا بما تستطيع هذه الأدوات تحقيقه على أرض الواقع.

- أنطوان العويط -

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o