5:52 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

بين "النبطية" و"تامبا".. هل تتوقف سياسة التجاهل؟

قدّمت مواقف الرئيس نواف سلام في نيويورك وواشنطن نموذجاً مختلفاً للمسار اللبناني المعتمد في التعامل مع اتّفاق الإطار وقبله مع اتّفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، كما شكّل اجتماعه بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نقطة تحوّل في مسار دبلوماسية الخنوع التي درج عليها لبنان منذ عقود حيال طهران. في واشنطن كان سلام واضحاً في إعطاء الأولوية المطلقة للإنسحاب الإسرائيلي إلى خارج الحدود الدولية بضمانات أميركية، وفي تأكيد التزام لبنان بتنفيذ ما وقّع عليه لا سيما في ما يتعلق بحصرية السلاح ودائماً وفقاً لمبدأ خطوة مقابل خطوة. وبالمقابل كان هناك تأكيد من نوع آخر أمام الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على رفض الإلتحاق باتّفاق إسلام أباد ورفض صريح لإسقاط السفراء على لبنان من فوق.

بدت نتائج الزيارة عصية على الهضم في ماكينة السياسة اللبنانية المربكة والغارقة في البحث عن تسويات لحماية مصالحها، بالرغم من العدوانية الإسرائيلية المتمادية قصفاً وتدميراً وجرفاً للقرى الجنوبية. لجأت الماكينة السياسية إياها إلى اعتماد سياسة التجاهل علّ ذلك يؤدي إلى تطويق سلام وإنهاء مفاعيل الزيارة. لقد بدا مستهجناً عدم صدور أي بيان عن رئاسة الجمهورية حول نتائج زيارة رئيس الحكومة والوفد الوزاري المرافق من قبيل التأكيد على وحدة السلطة وتماسكها بالرغم من زيارة سلام لبعبدا وإطلاع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عليها انسجاماً مع الدستور، كذلك كان لافتاً عدم مشاركة عون في جلسة مجلس الوزراء التي عقدت بعيد عودة سلام لمناقشة نتائج الزيارة.

لم تكتف الماكينة السياسة بتجاهل ما حصل في واشنطن في ما يتعلق بتطبيق إتفاق الإطار بل امتد تبادل الأدوار وتكاملها إلى التشويش على نتائج اللقاءات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووزارة الخزانة الأميركية المتعلقة بالإصلاحات المالية والنقدية. في هذا السياق يأتي طعن رئيس الجمهورية بصورة مفاجئة بالمادة الثالثة من قانون إعادة هيكلة المصارف بعد إصداره ليضيف مزيداً من عدم اليقين إلى المشهد. فبالرغم من خطورة الطعن بهذا القانون، لم يصدر عن المديرية العامة لرئاسة الجمهورية أي إعلان عنه أو عن الأسباب والمخالفات الدستورية التي دفعت الرئاسة إليه. المشكلة ليست في ممارسة حق دستوري بالطعن، وإنما في انعكاساته على المسار المالي لدى الجهات الدولية المعنيّة ومدى وحدة سلطات الدولة اللبنانية وأجهزتها في لحظة يفترض فيها أن تنتقل الدولة من مرحلة تشخيص الإنهيار إلى مرحلة إعادة بناء القطاع المصرفي.

الرد على سلوك التجاهل اختاره الرئيس سلام عبر زيارته إلى مدينة النبطية في اليوم التالي لجلسة مجلس الوزراء حاملاً معه ملف الجنوب والإنسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار ودور الدولة. لقد قدّم سلام من خلال تكرار المواقف التي أُعلنت في واشنطن أمام الجنوبيين، أكثر من رد على محاولات التجاهل، وأكثر من دليل على تحرر جزء كبير من الجنوبيين من سلطة الأمر الواقع وأكثر من إصرار على تقدم فكرة الدولة على سواها. وربما من قبيل الإمعان في التجاهل والرد على ما أعادته زيارة سلام من تواصل مع الجنوبيين تأتي الدعوة لمناقشة قانون الإنتخابات في اللجان النيابية كمحاولة لاستثارة العصبيات السياسية وتوظيفها في بعثرة الأولويات التي توليها الحكومة الجهد الأكبر.

فما هي حدود الرهان على الإستمرار في سياسة التجاهل لما يجري ليس في لبنان بل في المنطقة برمّتها، وما هي حدود المخاطر المترتبة على ذلك، لا سيما أننا على بعد ثلاثة أسابيع من جولة التفاوض بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في مدينة تامبا في فلوريدا؟ فهل تشكل المفاوضات المقبلة مدخلاً لتعميم نموذج النبطية على امتداد الجنوب أم يستمر أصحاب سياسة التجاهل في مغامراتهم؟

العميد الركن خالد حماده - اللواء

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o