جوانا فرحات
المركزية- منذ اندلاع المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وحزب الله، بدا المشهد وكأنه يقوم على مسارين متوازيين: الأول ميداني تتحكم به الحسابات العسكرية وقواعد الاشتباك، والثاني سياسي ودبلوماسي تقوده الولايات المتحدة بالتنسيق مع الدولة اللبنانية سعياً إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة. فمن يتقدم على الآخر؟
ما جرى يوم الأحد بعد الضربة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية والرد الإيراني بالباليستي ليلاً على تل أبيب وإعلان الرئيس الأميركي أنه "لم يكن يعلم بالضربة وبالتالي استئناف المفاوضات مع إيران من جهة واستكمالها مع لبنان في 22 حزيران الجاري يثبت أن الميدان والدبلوماسية يسيران على خطين متوازيين لكن تبقى كلمة الفصل للميدان. هذا الواقع يطرح سؤالاً أساسياً: هل يجوز التلازم بين جبهة تتحدث بالنار وجبهة أخرى تتحدث بلغة التسويات والضمانات السياسية؟
مصادر دبلوماسية تؤكد لـ"المركزية" أن "المواءمة بين المسارين لا تعني بالضرورة وجود تناقض كامل بينهما. ففي كثير من الأحيان يصبح التصعيد العسكري جزءاً من عملية التفاوض نفسها وقد تستخدم القوى المتحاربة الميدان لتحسين شروطها السياسية، فيما يستخدم الوسطاء الدبلوماسيون نتائج الميدان لدفع الأطراف نحو تفاهمات جديدة. وهكذا يتحول الصراع إلى عملية متداخلة بين الضغط العسكري والتفاوض السياسي.غير أن نجاح هذه المعادلة يبقى مرتبطاً بعوامل عديدة، أبرزها قدرة الوسطاء على تقديم ضمانات مقبولة للطرفين، واستعداد إسرائيل وحزب الله للانتقال من منطق إدارة المواجهة إلى منطق إدارة التسوية.
وردا على السؤال حول لمن تعود كلمة الفصل، تؤكد المصادر أن الميدان هو الذي يرسم حدود الممكن، بينما تحدد المفاوضات شكل هذا الممكن وآليات تطبيقه. وفي المرحلة الحالية، يبدو أن إسرائيل وحزب الله لا يزالان يمسكان بمفاتيح الضغط الأساسية من خلال الميدان، فيما تعمل الولايات المتحدة على تحويل موازين القوة القائمة إلى ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للحياة. وبالتالي فإن الكلمة الأولى قد تكون للبندقية، لكن الكلمة الأخيرة غالباً ما تكون للتسوية التي تعكس نتائجها".
تتابع المصادر" المفاوضات تتحرك في الغرف المغلقة، في ما يفرض الميدان إيقاعه على الأرض. وقد أثبتت التجارب السابقة في الحروب العربية ـ الإسرائيلية، أن اتفاقات وقف إطلاق النار، والتفاهمات الحدودية، كلها نشأت بعد لحظات حسم أو توازن ميداني معين. بمعنى آخر، لم تكن السياسة منفصلة عن القوة، بل جاءت لتترجم نتائجها أو لتنظمها ضمن إطار قابل للاستمرار.
من هذا المنطلق، يمكن القول أن المواءمة بين المسارين تتطلب تبنّي استراتيجية "تكامل الضغط العسكري مع الدبلوماسية الرسمية"، لأن استمرار المواجهة على الأرض يمنح المفاوض اللبناني أوراق قوة ميدانية، بينما تعمل الدولة اللبنانية عبر وساطة واشنطن على تحويل هذه الإنجازات أو التهديدات إلى مكاسب سياسية. على أن تلازم الجبهتين، الميدان العسكري والمفاوضات الدبلوماسية يجب أن تتم عبر فصل المسارات الإقليمية والضغط لتنفيذ القرارات الدولية مما يمنع تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض في صفقات إقليمية أكبر وتولي الجيش اللبناني حصرياً بسط سيطرته في المناطق التجريبية التي تم الإتفاق عليها في جولة المفاوضات الثالثة في واشنطن وهو ما يتطلب تنسيقاً وتفهماً ضمنياً مع الحزب لتجنيب البلاد حرباً شاملة واقتناص فرصة الضغط الدولي لمنع التصعيد.
وتختم المصادر" تبدو المنطقة اليوم أمام مشهد مزدوج: إسرائيل وحزب الله يتبادلان الرسائل في الميدان، فيما تتحرك الولايات المتحدة والدولة اللبنانية في فضاء التفاوض والدبلوماسية. وحين تصل الأطراف المتصارعة إلى قناعة بأن كلفة المواجهة أصبحت أعلى من مكاسبها، تنتقل المعركة من ساحات القتال إلى طاولات التفاوض، وهناك تتحدد ملامح المرحلة المقبلة. فإما أن تنجح السياسة في استيعاب نتائج الميدان وتحويلها إلى تسوية تضمن قدراً من الاستقرار، وإما أن يبقى الميدان هو اللاعب الأقوى، فتتحول المفاوضات إلى مجرد محاولة دائمة للحاق بإيقاع الحرب ومنع تمددها".
--






