6:47 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

بعد 137 عامًا… الرئيس العماد ميشال سليمان يُخلّد زيارة مار شربل إلى منزل العائلة في عمشيت

من قنديل الحبيس الذي أضاء دروب عنايا إلى عمشيت عام 1889، إلى تمثال يضيء اليوم سور منزل آل سليمان، تمتدّ حكاية إيمان وذاكرة عائلية لم تطوِها السنوات،

اختار فخامة رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال سليمان أن يُخلّد إحدى محطاتها بإقامة تمثال لمار شربل في المكان الذي ارتبط بزيارته التاريخية.

قبل أشهر، نشر موقع وقناة «Nicolas News» رواية تاريخية بقلم الكاتب فادي شربل داود، تناولت زيارة الأب شربل مخلوف إلى منزل آل سليمان في عمشيت، في التاسع والعشرين من تموز عام 1889، وهي رواية لاقت صدى واهتمامًا لدى القرّاء، لما حملته من تفاصيل إنسانية وروحية عن مرحلة من حياة الناسك الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز قديسي الكنيسة المارونية.

واليوم، تعود تلك الحكاية إلى الواجهة، لا من خلال صفحات التاريخ هذه المرة، بل من خلال مبادرة أراد بها الرئيس العماد ميشال سليمان أن يحفظ ذكرى تلك الزيارة في المكان الذي ارتبط بها، فأقام تمثالًا لمار شربل على سور منزله في عمشيت.

حكاية بدأت في عتمة الليل
تعود الرواية إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين اشتدّ المرض على جبرايل سليمان، أحد أعيان عمشيت وأمين صندوق متصرفية جبل لبنان، وكان يومها في الخامسة والثلاثين من عمره.

وبعدما عجز الأطباء عن إنقاذه، طُلب من الأب شربل مخلوف، الذي كان يعيش حياة النسك والصلاة في محبسة مار بطرس وبولس في عنايا، أن يتوجّه إلى عمشيت للصلاة على رأس المريض.

وبإذن استثنائي من رئيس الدير، غادر الأب شربل محبسته ليلًا، حاملًا قنديله الزيتي، وسار على قدميه برفقة عدد من الأشخاص الذين جاؤوا لاستدعائه.

وتروي الحكاية أنه، خلال الطريق، توقّف فجأة وأبلغ مرافقيه بأن المريض قد فارق الحياة، ثم ركع وصلّى من أجله.

وعندما بلغ مرافقوه منزل آل سليمان، تبيّن، وفق الرواية، أن جبرايل سليمان توفي في اللحظة نفسها التي أعلن فيها الأب شربل خبر وفاته، وهو لا يزال على مسافة من المنزل.

كانت واقعة بقيت حاضرة في ذاكرة العائلة، وتناقلتها الأجيال، قبل أن يعيد الكاتب فادي شربل داود إحياء تفاصيلها في المقال الذي نشرته «Nicolas News».

من الذاكرة إلى الحجر
بعد 137 عامًا على تلك الليلة، اختار الرئيس العماد ميشال سليمان أن يمنح ذكرى الزيارة حضورًا ملموسًا، من خلال تمثال للقديس شربل أُقيم داخل تجويف حجري صُمّم خصيصًا له على سور المنزل.

ويظهر القديس في التمثال مرتديًا ثوبه الرهباني، رافعًا يديه في وضعية صلاة وبركة، فيما تحيط به الحجارة وتغمره إضاءة دافئة تمنح المكان سكينة تتناسب مع رمزيته الروحية.

وليس اختيار الموقع تفصيلًا عابرًا؛ فالتمثال لم يوضع في زاوية داخلية من المنزل، بل على سوره الخارجي، ليصبح جزءًا من المشهد اليومي للمكان، وشاهدًا على ذكرى أرادت العائلة إبقاءها حيّة.

وفي حديث خاص إلى «Nicolas News»، أوضح الرئيس العماد ميشال سليمان أن التمثال أُقيم «تخليدًا لذكرى زيارة الحبيس إلى البيت»، في إشارة إلى الواقعة التاريخية التي تناولها المقال السابق.

وفي هذا الاختيار ما يتجاوز الناحية الجمالية للتصميم؛ فالسور الذي يحيط بالمنزل ويحمي خصوصيته أصبح يحمل صورة القديس الذي تستحضر العائلة بركته وحضوره الروحي.

فالمكان للحارس، والقديس هو الحارس الأمين.

حين تصبح الذاكرة جزءًا من المكان
قد تبدو إقامة تمثال لمار شربل أمرًا مألوفًا في بلدات لبنان وقراه، حيث تنتشر صوره وتماثيله في الكنائس والمنازل والساحات. لكن ما يمنح هذه المبادرة خصوصيتها هو ارتباطها برواية عائلية محددة، تعود إلى زمن كان فيه الأب شربل لا يزال ناسكًا متوحدًا في محبسته، بعيدًا عن الشهرة والتكريم اللذين عرفهما اسمه بعد وفاته.

فالرئيس العماد ميشال سليمان لم يسعَ إلى إضافة تمثال جديد إلى المشهد العام فحسب، بل إلى تخليد ذكرى زيارة استثنائية بقيت جزءًا من تاريخ المنزل والعائلة.

وهكذا، تلتقي الحكاية التي استعادها فادي شربل داود، ونشرتها «Nicolas News» قبل أشهر، مع مبادرة الرئيس العماد ميشال سليمان اليوم، في مشهد يجمع بين الأمانة للتاريخ والوفاء للذاكرة والإيمان.

من قنديل الأمس إلى نور اليوم
قبل 137 عامًا، غادر الأب شربل محبسته حاملًا قنديله، وسار في عتمة الليل قاصدًا منزل آل سليمان في عمشيت، تلبيةً لنداء إنساني ورجاءً في الصلاة.

واليوم، يضيء تمثاله سور المنزل الذي ارتبط بتلك الزيارة، في مشهد تختصر فيه الحجارة ذاكرة الأجيال، ويستعيد فيه الضوء حكاية قنديل لم تنطفئ ذكراه.

وبين زيارة الحبيس عام 1889 ومبادرة الرئيس العماد ميشال سليمان عام 2026، تبقى عمشيت شاهدةً على حكاية حفظتها العائلة، واستعادها قلم فادي شربل داود، وأوصلتها «Nicolas News» إلى القرّاء.

ولعلّ أجمل ما في المشهد أن مار شربل، الذي قصد ذلك البيت يومًا للصلاة، بات تمثاله اليوم على سوره، في المكان الذي اختارته العائلة لتخليد الزيارة، رمزًا للبركة والحماية والرجاء. فبعض الزيارات تنتهي عند عتبة البيت… وبعضها يبقى في ذاكرته أجيالًا.

نقولا الياس حنا - رئيس تحرير Nicolas News

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o