5:55 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

بعد علي الطاهر هل تعود الدولة الهائمة إلى رشدها؟

سقطت تلة «علي الطاهر» بيد الجيش الإسرائيلي، وهي أحد المواقع ذات القيمة العسكرية الاستثنائية في منظومة الدفاع عن جنوب لبنان، أياً كان نظام المعركة المعتمد. ولا تنتقص من أهميتها، ولا من الميزات الدفاعية التي تضيفها، كل محاولات قادة حزب الله تسويق هامشيتها الميدانية، بهدف تجاهل الهزيمة التي مُنِيَ بها الحزب أو التقليل من فداحتها.

فعلى الرغم من كل محاولات تبرير تراجع الحزب والحرس الثوري عن تحذيراتهما لإسرائيل من تداعيات إسقاط هذا المرتفع الشهير، فإن التصعيد الميداني التدميري واسع النطاق، المستمر حتى الآن، يؤكد أن تخلي الحزب عن التلة لم يأتِ في سياق صفقة إيرانية-أميركية، بل في إطار التصعيد الذي أعلنته واشنطن بوجه طهران، من مضيق هرمز حتى المتوسط، مروراً بالجبهات المشتعلة بالتزامن مع الميليشيات الحوثية.

لا يمكن قراءة سقوط «علي الطاهر» إلا في سياق مسار متدرّج بدأ بالفشل في تنفيذ اتّفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، رغم تكليف الجيش بتطبيق حصرية السلاح في جنوب الليطاني، الأمر الذي أبقى احتلال إسرائيل لخمس نقاط ضمن نطاق جغرافي بعمق يقارب أربعة كيلومترات. وتواصل هذا المسار وصولاً إلى احتلال مدينتيّ بنت جبيل والخيام، وتدمير عشرات القرى والبلدات، ثم سقوط قلعة الشقيف في 31 أيار/مايو 2026، بعد إطلاق حزب الله «معركة الثأر للخامنئي» في مطلع آذار/مارس المنصرم.

هذا وقد أدى تراجع لبنان عن التزاماته في تطبيق الإتفاق الإطار الموقّع في 26 حزيران/يونيو 2026 إلى سقوط «علي الطاهر» نهاية الأسبوع المنصرم، في ما يبدو أنه بداية لمرحلة جديدة عنوانها تدمير مقوّمات الحياة في قضاء النبطية، على الأقل، ونقل المعركة شمالاً باتجاه إقليم التفاح أو قضاء جزين.

أين تقف الدولة اللبنانية الهائمة على وجهها حتى الآن حيال ما يجري في الميدان؟ وهل يمكن الاكتفاء بالتوجه إلى واشنطن أو سواها لوقف التدمير الذي تمعن إسرائيل في ارتكابه يومياً؟ ألا تستحق الدماء التي تسيل كل يوم، والمدن التي تُهدم، إعادة نظر جذرية في مجمل الإجراءات التي اتُّخذت منذ اتّفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ولا سيما آليات تنفيذ قرار الحكومة في 5 آب/أغسطس 2025، وصولاً إلى كيفية التعامل مع الإتفاق الإطار، وخصوصاً لجهة فشل تطبيق المناطق التجريبية؟

تضاف خسارة «علي الطاهر»، وقبلها «قلعة الشقيف»، إلى سلسلة الخسائر الثقيلة التي مُني بها حزب الله في الخيام وبنت جبيل والطيبة. وبخلاف المعارك الضارية التي شهدتها تلك المواقع قبل سقوطها، جاء احتلال «قلعة الشقيف» وتلة «علي الطاهر» في ظل تجاهل واضح من الحزب، رغم الأهمية الاستراتيجية للموقعين من ضمن ما يمكن تسميته بخط دفاعه الثاني بعد مقطع نهر الليطاني.

لم يرَ حزب الله في مرتفع علي الطاهر وقبله في بنت جبيل والخيام والطيبة وغيرها سوى مجموعة من المواقع العسكرية التي اختار التحصن في أعماقها وبناء شبكة أنفاقه في داخلها بحيث ينتهي دوره بعد إخراجه عنوة منها. وقد يكون من أبرز أسباب هشاشة الدفاع والعجز عن التمسك بـ«علي الطاهر»، وقبلها بـ«قلعة الشقيف»، الأولوية التي بات الحزب يمنحها للحفاظ على مكتسباته ودوره السياسي، والحاجة إلى توفير الجهد لما تقتضيه المواجهة المفترضة في الداخل، في ظل انتقال الخطاب المناوئ له ولسلاحه إلى داخل البيئة الجنوبية نفسها. وليس ما صدر عن قائد الحرس الثوري إسماعيل قاآني، رغم الهزائم المتتالية، من أن حزب الله «ينمو ويزداد رفعة وفخراً أكثر من ذي قبل»، وأنه «يضمن عزة لبنان واستقلاله»، سوى رسالة موجهة في آن إلى الداخل اللبناني وواشنطن، مفادها أن الساحة الداخلية لن تكون بمنأى عن المواجهة، وأن للحزب أدواراً أخرى يمكن أن يضطلع بها في سياق التعويض عن خسائر الميدان.

يمثل السقوط الهادئ لـ»قلعة الشقيف» و»علي الطاهر» نموذجاً لما سيكون عليه الأداء الميداني لحزب الله في ما تبقى له من مواقع وبنى تحتية في الجنوب وامتداداً نحو البقاع وربما نحو العاصمة من جهة، وقد يستعد الحزب مع استمرار الهجمات الإسرائيلية إلى الإنكفاء نحو التجمعات المدينية والتحصن بداخلها.

فهل يدرك من لا يزالون غارقين حتى الآن في تقييم تداعيات تطبيق حصرية السلاح وإن بالقوة ـــــــــ وفي مقدّمهم رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري ــــــــــ حجم الخطيئة التي يرتكبون؟ وهل يدركون أن استمرار التماهي مع الحزب في معادلة لم تؤدِ سوى إلى تدمير للبنان هو أقصر الطرق لتهديد الوحدة الوطنية التي يدّعون حرصهم عليها؟ وهل يعيد سقوط علي الطاهر وما تتعرض له مدينة النبطية الدولة الهائمة على وجهها إلى رشدها؟

العميد الركن خالد حماده - اللواء

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o