10:57 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

دولةٌ على عكس أولويات شعبها...

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

لم نرَ يومًا، ولم نقرأ في التاريخ، ولا في ما كتبه المؤرخون عن الدول والشعوب، أن هناك دولةً جعلت من أولوياتها إسقاط شعبها وإفقاره وإرهاقه حتى العجز عن الحياة.

اقتصادٌ منهار، ومجتمعاتٌ أنهكها الفقر والهجرة والقلق، وغلاءٌ تجاوز قدرة الإنسان حتى على النظر إليه قبل أن يتعايش معه. كهرباء غير مؤمّنة، واللبناني يدفع ثمن الكهرباء مرتين، ومنهم من يدفعها ثلاث مرات. ومياهٌ غائبة أو شحيحة، حتى بات الموت من العطش يبدو أسهل من انتظار الدولة لتؤمّن أبسط حقوق مواطنيها.

نسأل: هل هناك قرار واحد اتخذته الدولة لمصلحة شعبها؟ هل هناك خطوة واحدة شعر فيها اللبناني أن دولته تقف إلى جانبه، وتحاول أن تخفف عنه، وتحميه من الانهيار؟
أبدًا... بل على العكس. كل يوم قرار جديد يزيد الأعباء، وكل يوم فاتورة جديدة، وكل يوم ضريبة جديدة، وكل يوم حقٌّ ينتزع من المواطن بدل أن يُصان. وكأن المطلوب ليس أن يعيش اللبناني في وطنه، بل أن يبقى حيًا بما يكفي ليدفع. وكأن هذا الشعب ليس شعبها، وكأن هذه الأرض ليست أرضه، وكأن الدولة لا ترى في مواطنيها إلا جيوبًا تستنزفها، وطاقاتٍ تستهلكها، وصبرًا تختبر حدوده يومًا بعد يوم.

لكن المفارقة الأكبر أن الدولة، التي يفترض أن يكون من أولى واجباتها حماية شعبها، تصل أيضًا إلى من يحميها.

فإذا كانت تمحو، أو تنتقص من حقوق، أو ترهق من وقف في وجه الخطر وحمل السلاح دفاعًا عنها، ومن أفنى سنوات عمره في خدمتها، وتركت من حماها يواجه الغلاء والعجز والقلق على مستقبله ومستقبل عائلته، فهنا يصبح السؤال أكثر إيلامًا:

هل هي عاجزة عن إنصاف من يحميها، أم أنها لا تريد؟ إذا كانت عاجزة، فهذه مصيبة. أما إذا لم تكن عاجزة، وكانت تتعمد ذلك، فالمصيبة أعظم.

فالدولة التي تُنهك شعبها، وتتركه بلا كهرباء ولا ماء ولا مقومات حياة، ثم تصل إلى من وقف في وجه الخطر وحماها، فتنتقص من حقوقه وتتركه لمصيره، تكون قد تجاوزت حدود الفشل في الإدارة. إنها تكون قد قلبت مفهوم الدولة رأسًا على عقب.
الدولة وُجدت لتحمي شعبها، لا لتستنزفه. وُجدت لتحفظ كرامة من يخدمها، لا لتتركه يبحث عن حقوقه. وُجدت لتؤمّن مقومات الحياة، لا لتجعل المواطن يدفع ثمن غيابها في كل تفاصيل يومه.

فبئس الدولة إذا كان شعبها آخر أولوياتها. وبئس الدولة إذا أصبح من يحميها أول من تدفعه إلى العجز. وبئس الدولة إذا كانت ترى كل ذلك، وتستطيع تغييره، ثم لا تفعل.

وهنا السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل: إذا كانت الدولة لا تحمي شعبها، ولا تؤمّن له الكهرباء والماء والعمل والقدرة على العيش، ولا تحفظ حقوق من يحميها، ولا تتوقف عن تحميل المواطن كلفة انهيارها، فلمن تقوم هذه الدولة؟ ومن أجل من تُتخذ كل هذه القرارات؟

لأن الوطن ليس أرضًا فقط، والدولة ليست سلطة فقط، الوطن إنسان، والدولة مسؤولية... وعندما يصبح الإنسان هو الضحية الدائمة، يكون هناك خلل في معنى الدولة نفسها.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o