المركزية - في لحظة فارقة من تاريخ الجمهورية الإسلامية، تتكشّف ملامح انقسام داخلي غير مسبوق بين أركان السلطة في إيران. تصريحات رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف الرافضة لأي سلام مع واشنطن أو اعتراف بإسرائيل، تزامنت مع موقف الرئيس مسعود بزشكيان الذي لوّح بالاستقالة إذا رفضت القيادة المضي في الاتفاق مع الولايات المتحدة. هذا التباين يعكس حجم الضغوط التي يفرضها الحصار البحري الأميركي، وما خلّفه من شلل اقتصادي يهدد الاستقرار الداخلي، وسط تحذيرات رسمية من انهيار شامل ونفاد الغذاء والدواء. وبين غياب المرشد الجديد عن مناسبات بارزة، خاصة مأتم والده، وتنامي الأصوات المطالبة بفصل الدين عن السياسة، تبدو إيران أمام مشهد سياسي متصدّع يضع النظام أمام اختبار وجودي. فهل بدأ الانشقاق في ايران؟
العميد الركن فادي داود يؤكد لـ"المركزية" ان " ما يحصل هو صراع على النفوذ في ظل تنامي دور الحرس الثوري بعد المعركة، لكنه ما زال بعيدًا جدًا عن الانشقاق. فقاليباف يرفض التطبيع والتنازلات، وهو أقرب إلى التيار المحافظ، لكنه لا يرفض بالمطلق خيار التفاوض، إذ إن قاليباف نفسه سبق أن فاوض في الدوحة وإسطنبول وإسلام آباد. وبالتالي، ما نشهده من قبله يمكن وضعه في إطار الصراع، وإذا ذهبنا أبعد في التحليل، يمكن اعتباره مواقف ورفع سقف من أجل الاستيعاب الداخلي. وإذا أردنا تحميلها معنى باطنيًا، يمكن الحديث عن تقاسم أدوار بين قاليباف الذي يُظهر نفسه كحامٍ للثورة، وبزشكيان الذي يقدّم نفسه منفتحًا ويريد إدارة الاقتصاد، وذلك من أجل الاستهلاك الداخلي في الشارع الإيراني، لأن هذه المواقف لا يمكن صرفها سياسيًا في الخارج".
ويؤكد داود ان " التوتر ليس جديدًا على إيران، التي تملك خبرة واسعة في هذا المجال، إذ واجهت عام 2015 هذا النوع من الإشكالات في إدارة الملف. لكن المتغير الأساسي اليوم هو الضغط الاقتصادي الذي سيغيّر المعادلة. لذلك، نحن أمام محورين: فهل ينتصر رفع الضغط الاقتصادي، مع العلم أن إيران ما زالت بعيدة جدًا عن البحبوحة، أم ينتصر المحور الأيديولوجي؟ برأيي، بين هذين المحورين، خط الانتصار واضح"، مشيرًا الى ان "المتغير في الساحة الايرانية غياب المرجعية الحاسمة للمرشد، إذ عام 2015 المرشد علي خامنئي كان موجودا، بينما اليوم ابنه لم يتخذ موقفا بعد، ولم يمِل الى جهة ما، أو يرجّح كفة من الكفتين. وإذا أردنا ان ننتظر، ننتظر دور مجتبى خامنئي لنرى أين سيميل وأي إشارة سيعطي، لأنه حتى الساعة لم يظهر ".
ويضيف: "في حال لم يظهر، نكون أمام ثلاث سيناريوهات: الاول الذهاب الى تسوية داخلية، وأرجّح هذا الاحتمال، مع تعاظم نفوذ للحرس الثوري، وهذا أمر نشهده يوميا. والثاني استقالة او إقصاء لبزشكيان، والثالث ان نكون أمام انقسام حقيقي وهذا أمر مستبعد"، مستطردًا: "إذا كان لا بدّ من الانقسام فلن يكون بين قاليباف وبزشكيان بل بين المؤسسة الدبلوماسية التي تدير ملف الانهيار الاقتصادي وبين الحرس الثوري الذي يريد ان يحافظ على إنجازاته في الداخل".
ويختم: "في المحصلة، الارجح استمرار التفاوض مع تعاظم نفوذ الحرس، ونهج تشددي للاستهلاك الداخلي".






