2:49 PMClock
عدل وأمن
  • Plus
  • Minus

"المفكرة القانونية" تتقدم بمذكرة إلى المجلس الدستوري بشأن قانون العفو العام والطعن فيه

المركزية - تقدمت "المفكرة القانونية"، بتاريخ اليوم  23 أيلول 2026، إلى المجلس الدستوري بمذكرة بشأن القانون رقم 70/2026، الرامي إلى منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بصورة استثنائية، والصادر بتاريخ 4 أيلول 2026، والطعن المقدّم فيه من نواب كتلة لبنان القوي بتاريخ 9 أيلول 2026.

توطئة:
صدر قانون العفو العام المطعون فيه في تاريخ 4 أيلول 2026 بعد 7 سنوات من المحاولات المتكررة لإقراره. وقد تمّ ذلك بعد تصوير القانون أنه ينحصر بجانب واحد منه، وهي معالجة قضية الموقوفين الإسلاميين والتعامل مع أيّ تحفظ عليه أو انتقاد له على أنه فتنة أو محاولة لوضع الجيش في مواجهة طائفة معينة. وعليه، إذ انبنى المسار التشريعيّ لهذا القانون منذ لحظاته الأولى على تضليل الرأي العام بشأن الهدف منه أو حقيقة مضمونه وفق ما بينته المفكرة القانونية في عدد من مقالاتها، فإنّ الأقلام الخفيّة داخل المجلس النيابي زادت على رذيلتي التضليل والخداع رذيلة التزوير (تزوير الإرادة العامة). فبعدما قدُّم العفو العامّ على أنّ لا علاقة له بالفساد “المُستثنى منه” بهدف تسويقه وتمريره، تدخلت الأقلام الخفية بعد إعلان رئيس مجلس النواب المصادقة على القانون بغياب تصويت فعليّ، لإجراء عددٍ من التّحويرات على نسخته النهائيّة لاقتراح القانون قبل إرسالها إلى رئاسة الجمهورية بهدف إصدارها. هكذا وبكل بساطة وفي ازدراء كلّي للمجتمع برمّته. 

وما فاقم من عملية التزوير هذه، هي الغاية منها والتي تمثلت في توسيع دائرة العفو لتشمل جميع جرائم الفساد في القطاع العام، بما فيها الرشوة وسوء الإدارة واستغلال الوظيفة وكلّ ما يتصل بالتلزيمات والصفقات. وعمليّا، لم يستثنَ من العفو بما يخصّ الفساد في القطاع العامّ إلا جرائم الاختلاس والتعدي المباشر على الملك العامّ، أي ما اصطلح على توصيفه بجرائم الفساد البدائي الذي يصعب أن يتورط فيه أيّ مسؤول لديه الحدّ الأدنى من النباهة والفطنة.. والمكانة. وفي الاتجاه نفسه، ذهبت التحويرات إلى حدّ إسقاط معظم الملاحقات والقرارات الإدارية (نفهم التأديبية) عن الموظفين العامين، بما يؤدي إلى تبييض أشخاص بعدما تم تبييض أموالهم. 

وبفعل هذه التحويرات، تحوّل قانون العفو العامّ من عفو عامّ عن فئات ترتبط سياسيّا بالقوى الحاكمة إلى عفو عام ذاتي تماما كما كان عليه قانون العفو العام في 1991 بما يتصل بالجرائم المرتكبة خلال فترة الحرب 1975-1990. فكما أدّى قانون 1991 إلى إعفاء جرائم الحرب ومسؤوليّات أمرائها والمشاركين فيها، سيؤدّي قانون 2026 في حال تجاوزه رقابة مجلسكم إلى إعفاء 35 سنة من الفساد أدّت إلى تفقير المجتمع ونهبه. وجهٌ آخر يجمع قانوني العفو الصادرين في 1991 و2026 وهو أن كلاهما نص على عفو أبيض، أي غير مشروط. فكما أن قانون 1991 لم يشترط على المرتكبين ترميم حقوق الضحايا كمقدمة للاستفادة من العفو، فإن قانون 2026 لم يشترط على مرتكبي الفساد المستفيدين منه ردّ الأموال المنهوبة، علما أن كلا القانونين هدرا حقّ المجتمع بمعرفة حقيقة الأحداث التي دمّرته بفعل الحرب أو أفقرته أو نهبته بفعل الفساد. ولعلّ الفارق الوحيد بين القانونين هو أن قوى 1991 برّرت العفو عن جرائم الحرب باسم المصالحة الوطنية وتحت شعار “كلّنا مجرمون وكلّنا ضحايا”، فيما أن العفو عن جرائم الفساد الحاصل في 2026 والتي انتفع منها أعيان النظام على حساب “المجتمع” برمّته، لا نجد له أيّ مبرر لا في متن القانون ولا في أسبابه الموجبة بحيث لم يكن من الممكن إقناع المجتمع بها إلا من خلال الحيل والخداع. وفيما تمحورت الخدعة الأساسيّة حول الهدف المعلن للعفو العامّ وهو رفع المظلوميّة عن الموقوفين الإسلاميين وتخفيف اكتظاظ السجون كما أسلفنا، فإنها ترافقت مع خدع عدّة في صياغته، ومنها اعتماد مبدئيّة العفو العامّ أي أن تعدّ جميع الجرائم بما فيها الجنايات معفاة ما عدا ما يَستثنيه القانون صراحةً. وما فاقم من ذلك، هي صياغة الاستثناءات بصورة غامضة ومبهمة على نحو يمهّد لإثقال كاهل القضاء بمنازعات طويلة حول ما تشمله أو لا تشمله منحة العفو على نحو يحرم المجتمع والضحايا أكثر فأكثر من احتمال الوصول إلى العدالة. وقد بلغت الأساليب الملتوية بالتشريع أوجها مع تزوير النصّ في الكواليس كما سبق بيانه. وعليه،  تمّ منح العفو العام تحت غطاء مخادع وزورا، ومن دون أيّ نقاش عام أو مبرر يتصل بالصالح العام، بل على نقيض ما يفترض أنه صالح عام، بالنظر إلى الآثار المدمرة لجرائم الفساد الحاصلة خلال العقود الماضية، والأهمية الفائقة اجتماعيا لإعمال العدالة والمحاسبة وجلاء الحقيقة بشأنها من أجل التعافي والنهوض وبناء مشروع الدولة. 

ولا نبالغ إذا قلنا أن قانون العفو المطعون فيه أمامكم إنّما يقوّض في حال نفاذه إلى تأبيد نظام الفساد والمحاصصة واللاقانون وتقويض أي فرصة في الانتقال منه إلى نظام ديمقراطي قوامه القانون والمؤسسات والعدالة الاجتماعية. ويتأكّد هذا الأمر بحكم تعارضه التامّ مع الثوابت التي تقوم عليها مسارات التحول الديمقراطي المعتمدة دوليا والعدالة الانتقاليّة، وهي تطهير المؤسسات العامة وإصلاحها، واسترداد الأموال المنهوبة وترميم حقوق الضحايا، وجلاء الحقيقة ومنع التكرار. ففيما يؤدي تبييض السجلات التأديبية والعدلية للعاملين في القطاع العام إلى الحؤول دون تطهير هذا القطاع (أو ما يسمى بال Vetting) من عناصره الفاسدة وتاليا دون إصلاح المؤسسات العامة، يؤدي تبييض الثروات إلى منع المجتمع من استرداد أمواله المنهوبة وإنصاف ضحايا النهب والفساد، علما أن اجتماع هذين التبييضيْن يؤدّي إلى طمس الحقيقة بشأن أعمال الفساد والمسؤولية في التسبب في الانهيار المالي والمصرفي والاقتصادي (والذي يعد أحد أكبر الانهيارات عالميا في العقود الأخيرة). وبنتيجة إبقاء كلّ شيء على حاله تبعا لتبييض الأشخاص والثروات وطمس الحقيقة، تتضاءل حكمًا فرص الحؤول دون تكرار أعمال الفساد التي نهشت المجتمع وتتزايد على العكس من ذلك احتمالات توسعها في ظلّ التطبيع معها ومع الشرّ. 

انطلاقَا من كل ذلك، فإنّ الطعن أمام مجلسكم الكريم وخصوصا فيما يتعلّق بالمادتين الأولى والثانية منه يكتسي أهميّة قصوى، تتمثل في إنقاذ ما تبقى من العدالة ومن آمال الانتقال إلى دولة القانون. أما أن ينفّذ قانون العفو، فإن ذلك يعني أن لبنان دخل مجددا نفقا أسود نأمل أن لا يكون بطول النفق الذي انطلق من رحم العفو العام في أعقاب حرب 1975-1990. 

وقبل المضي في تبيان الأسباب التي تدعو إلى إبطال هذا القانون، يهمنا التوضيح أننا نركز اعتراضنا المبدئي على المادتين الأولى والثانية من القانون، وهما المادتين المتصلتين بالعفو العام، بالنظر إلى خطورتِهما الفائقة. بالمقابل، تبقى المسائل الدستورية المتّصلة بالموقوفين، ومنها تخفيض العقوبات ووضع حدّ أقصى للتوقيف الاحتياطي في الحالات المستثناة من أحكام المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية أقل إلحاحًا في ظلّ الأسباب الموجبة للقانون المتصلة بالخلل الحاصل في مرفقي السجون والقضاء.

للاطلاع على  المذكرة كاملة اضغط على pdf أعلاه.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o