المركزية - في لحظة تتأرجح بين التفاوض والتهديد، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليضع مضيق هرمز في قلب العاصفة الدولية، معلناً أن الممر البحري سيُفتح "قريباً جداً"، وإلا فإن إيران ستواجه "ضربة قوية للغاية"، وصفها بأنها الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.
"ساعة مفاوضات وساعة تهديد"، مشهد يتكرر منذ سنوات: واشنطن تضغط، طهران تساوم، ثم تعود الأزمة إلى نقطة الصفر مع كل تعثر جديد. وبين لعبة العصا والجزرة، يطرح السؤال نفسه: ما الضمانات هذه المرة، وما الورقة التي يراهن عليها ترامب في مواجهة إيران، وسط مخاوف من أن تتحول الأزمة إلى مواجهة مفتوحة تهدد أمن الطاقة العالمي؟
المختص أكاديميًا في الجيوبوليتيك العميد ناجي ملاعب يقول لـ"المركزية" "بالعودة إلى الشاب دونالد ترامب وما نشرته صحيفة "الغارديان" من أن محاميه نصحه بألّا يعترف بالخسارة وأنه دائمًا منتصر، يتضح أن هذا النمط رافق الرئيس الأميركي طوال حياته، وبلغ ذروته عندما أصبح رئيسًا. المشكلة أن إيران أيضًا تتبنى عقلية مشابهة، فهي لا تعترف بالانكسار أو الهزيمة، بل تعتبر نفسها دائمًا منتصرة. هذا الوضع جعل الطرفين في مواجهة مستمرة، لا يتنازل أحدهما للآخر ولا يعترف بالخسارة".
ويشير إلى أن "إيران ليست في حالة عداء مباشر مع إسرائيل. والدليل أن عندما وصلت صواريخها إلى مدى إسرائيل لم تُطلقها ولم تدافع عن محورها. بل إن المادة الأولى في الاتفاق الإيراني–الأميركي نصّت على وقف شامل لإطلاق النار، ورغم أن إسرائيل لم تلتزم به، لم تُطلق إيران أي صاروخ أو رصاصة باتجاهها، فيما واصلت إسرائيل عملياتها التي يدفع لبنان ثمنها كاملًا.
إسرائيل، في المقابل، تعتبر إيران عدوًا استراتيجيًا، وترى أن أي برنامج نووي إيراني، حتى لو كان سلميًا، غير مقبول. لذلك بذلت كل جهدها لمنع إيران من الوصول إلى مرحلة الدولة النووية. ففي عام 2018 أقنع بنيامين نتنياهو الرئيس ترامب بالخروج من اتفاقية 2015 التي كانت تُلزم إيران بعدم التخصيب بأكثر من 3.7%. خروج واشنطن من الاتفاقية سمح لإيران برفع التخصيب إلى 60% وبكميات كبيرة. من هنا، إسرائيل لن تقبل بأي نووي إيراني، مهما كانت طبيعته.
ويضيف: "في شباط الماضي، أقنع نتنياهو الولايات المتحدة بالدخول في مواجهة عسكرية ضد إيران، معتقدًا أنه سينهي النظام الإيراني. لكن الضربات لم تحقق الهدف، لا خلال أربعين يومًا ولا أربعة عشر يومًا ولا حتى عبر الهجمات على الشواطئ الإيرانية.
اليوم، المشهد معقّد: من جهة، قد يتمكن ترامب من التوصل الى توافق بين واشنطن وطهران، بحيث تستعيد إيران أموالها وتتحكم الولايات المتحدة بالمنتجات الطاقوية الإيرانية من نفط وغاز، ما يمنحها ورقة ضغط على الصين. لكن العائق الأكبر هو إسرائيل أولًا، وسلوك إيران تجاه جيرانها ثانيًا. فالقصف الذي طال دول الخليج والأردن لم يستهدف قواعد أميركية فقط، بل أصاب منشآت مدنية حيوية مثل محطات تحلية المياه والفنادق والأبراج. هذا جعل دول الخليج تعتبر إيران خصمًا مباشرًا، لا شريكًا في أي حل وسطي.
ويتابع ملاعب: "السعودية، على سبيل المثال، لجأت إلى بدائل خلال عهد الرئيس جو بايدن، ففتحت على الصين وروسيا وانضمت إلى مجموعة "البريكس". وهذا يعكس أن الخليج لن يقبل بحلّ وسطي بين واشنطن وطهران.
بالتالي، لا حل وسطي بين أميركا وإيران. الحل يكمن إمّا في إنهاء النظام الإيراني أو على الأقل تغيير سلوكه. فإيران حتى الآن اعتمدت استراتيجية تقوم على إرسال عشرات آلاف الصواريخ إلى "حزب الله" وبناء منظومة موازية للدولة اللبنانية، بهدف الوصول إلى البحر المتوسط. هذا ما تسميه "محور المقاومة"، لكنه في الواقع مشروع هيمنة إقليمي.
الولايات المتحدة، كما لم تقبل سابقًا بوجود الاتحاد السوفياتي على المتوسط، لن تقبل اليوم بوجود إيران هناك. وإيران بدورها تسعى إلى التوسع اقتصاديًا أيضًا، كما ظهر في مشروع خط الغاز الفارسي عبر العراق وسوريا وصولًا إلى المتوسط عام 2008".
ويختم: "الرئيس الأميركي يلعب على الأعصاب، لم يخسر أي جولة حتى الآن. إيران، دبلوماسيًا، لم يقف معها أحد، وعسكريًا واقتصاديًا تواجه عزلة وضغوط متزايدة. لذلك، عاجلًا أم آجلًا، ستجد نفسها مضطرة إلى الخضوع، إمّا عبر تغيير سلوكها أو عبر تغيير النظام نفسه".






