11:10 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

المؤامرة مستمرة...

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

في عام 1980، قدّم الأخوان رحباني مسرحية "المؤامرة مستمرة" على مسرح كازينو لبنان. وهو تاريخ موثّق ضمن أعمالهما المسرحية. 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد 46 عاماً، هو: ماذا تغيّر؟ هل توقفت المؤامرة؟ هل تعلّمنا؟ هل أصبح لبنان أكثر قدرة على حماية قراره وسيادته ومصالحه؟

أم أننا، بكل بساطة، انتقلنا من ارتهان إلى ارتهان، ومن وصاية إلى وصاية، ومن انتظار الخارج إلى استدعائه؟

الرحابنة لم يكونوا يكتبون فناً للترفيه فقط. كانوا يلتقطون من الحياة اللبنانية ما لا نريد أن نراه، ويضعونه أمامنا على المسرح في صورة ساخرة، مؤلمة، وأحياناً شديدة القسوة. ولذلك فإن بعض أعمالهم، رغم مرور عقود عليها، تبدو وكأنها كُتبت بالأمس. "المؤامرة مستمرة" عام 1980، ونحن في عام 2026 ما زلنا نعيش في لبنان وكأن شيئاً لم يتغير.

المشكلة ليست فقط في الخارج. هذه هي الحقيقة التي يجب أن نقولها بلا مواربة.

الخارج لا يستطيع أن يفعل كل شيء وحده. يحتاج دائماً إلى أبواب داخلية تُفتح له، وإلى قوى لبنانية ترى مصلحتها في الخارج أكثر مما تراها في الداخل، وإلى جماعات مستعدة لأن تجعل من لبنان ساحة لصراعات الآخرين.

منذ عقود ونحن نتحدث عن السيادة والاستقلال والقرار الحر، ثم يأتي أول اختبار حقيقي فنكتشف أن لكل طرف تقريباً مرجعيته، وحساباته، وعلاقاته، وامتداداته خارج الحدود.

نختلف على اسم الدولة، ونختلف على شكل النظام، ونختلف على السلاح، ونختلف على الاقتصاد، ونختلف حتى على معنى الوطن نفسه... لكننا نتفق، بطريقة أو بأخرى، على شيء واحد: أن نترك للآخرين مساحة واسعة في تحديد مستقبلنا.

وهنا تصبح عبارة الرحابنة أكثر إيلاماً:المؤامرة مستمرة... لكن هل المؤامرة وحدها هي المشكلة؟ ربما المشكلة الأكبر أننا لم نتعلم كيف نغلق أبوابها.

لم نتعلم أن الدولة التي تحترم نفسها لا تكون تابعاً لأحد. لم نتعلم أن الصداقة مع الخارج شيء، وتسليم القرار الوطني شيء آخر. لم نتعلم أن لبنان لا يستطيع أن يكون وطناً حقيقياً إذا كان كل فريق فيه يبحث عن قوته خارج حدوده. بل الأسوأ من ذلك أننا ازددنا، مع مرور السنوات، انبطاحاً أمام الخارج، وأصبح بعضنا يتعامل مع التدخل الخارجي وكأنه قدر لا يمكن الخلاص منه، أو كأنه ضرورة سياسية لا بد منها. والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: من يتآمر على لبنان؟

بل: لماذا يستطيع الآخرون أن يتآمروا علينا؟ لماذا نمنحهم الأدوات؟ لماذا نختلف على الوطن ونتفق على الطائفة؟ لماذا نرفع شعار لبنان أولاً، ثم نبحث عن مرجعيتنا خارج لبنان؟

منذ 1980 وحتى اليوم، تغيّرت الوجوه، وتبدلت العواصم، وتغيّرت الأدوات، وسقطت أنظمة وصعدت أخرى، لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً:

لبنان ما زال عاجزاً عن الاتفاق على نفسه. ولهذا، ربما كان الأخوان رحباني أكثر من كتبوا عن لبنان وهم يرون إلى أبعد من اللحظة. لقد مضى 46 عاماً على "المؤامرة مستمرة"، وما زال العنوان صالحاً.

لكن ربما حان الوقت لأن نكتب عنواناً جديداً: المؤامرة مستمرة... ولكن إلى متى سنبقى شركاء في استمرارها؟

فهذه المرة، لا يكفي أن نلوم الخارج. علينا أن ننظر إلى المرآة.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o