Jun 1, 2026 4:35 PMClock
خاص
  • Plus
  • Minus

العفو العام مكانك راوح!... تعديلات طفيفة لا تمس جوهر ما اتُفق عليه وسيمرّ !

جوانا فرحات

المركزية - بين ضغوط سياسية محلية وتسويات الشارع الداعمة لإصداره من جهة، واعتراضات سياسية وقضائية بشأن الجرائم المستثناة من جهة أخرى، يبدو أن اقتراح قانون العفو العام الذي اُخرِجَ من أروقة اللجان النيابية المشتركة بصيغته المعدلة سيبقى معلقاً على سلم "مكانك راوح"!

ففي جلسة اللجان النيابية الأخيرة والتي كان يفترض أن تليها جلسة لمجلس النواب للتصويت على القانون حتّمت التظاهرات الإعتراضية التي نفذها أهالي الموقوفين الإسلاميين على الرئيس نبيه بري إلغاءها من دون تحديد موعد جديد، وتوافقت اللجان على تحديد نطاق تطبيق القانون، واستبدال عقوبة الإعدام لتصبح 28 عاماً سجنية، ودمج العقوبات للمحكومين بجرائم متعددة لتصبح العقوبة الأشد فقط.ويستثني اقتراح القانون المعدّل الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي مثل أحداث عبرا التي يحاكم فيها أحمد الأسير وغيرها، وجرائم القتل العمد، وكافة الجرائم المرتبطة بقانون الإرهاب.

هذا الإستثناء فجّر المواقف المبطنة وازدادت حدة الإنقسام حول المطالب بشمول العفو للموقوفين الإسلاميين وهو ما ترفضه عائلات شهداء الجيش بشدة، بالإضافة إلى بنود تتعلق بالمحكومين غيابياً. وتكشف مصادر "المركزية" أن على رغم التريث والتعتيم الحاصل على الإتصالات الجارية إلا أن التعديلات ستكون بسيطة من دون المس بجوهر ما تم التوصل إليه مسبقاً، وأن القانون سيُقر عاجلاً أم آجلاً ويسلك. فهل يستطيع مجلس النواب تمرير قانون العفو على رغم الاعتراضات الواسعة التي يبديها أهالي شهداء الجيش اللبناني،أم أن الاعتبارات السياسية والإنسانية ستصطدم مجدداً بملف العدالة وحقوق الضحايا؟.

عملياً، تلفت المصادر إلى أن اعتراضات أهالي الشهداء وحدها غير كافية لمنع إقرار القانون إذا توافرت أكثرية نيابية داعمة له. فالنظام الدستوري اللبناني يمنح مجلس النواب صلاحية التشريع، فيما تتحدد نتائج التصويت وفق التوازنات السياسية والتحالفات البرلمانية. إلا أن الواقع السياسي اللبناني يظهر أن الملفات ذات الطابع الوطني والأمني غالباً ما تتأثر بالضغوط الشعبية والمعنوية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدماء العسكريين الذين سقطوا خلال مواجهات مع جماعات إرهابية مسلحة. ومن هنا برز اتجاه داخل اللجان النيابية نحو البحث عن صيغ وسطية تقوم على تخفيض العقوبات أو معالجة أوضاع بعض الموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة في السجن من دون أحكام نهائية، بدلاً من منح عفو شامل يشمل جميع الفئات والجرائم.

يبقى البند الأكثر حساسية والمتعلق بالموقوفين الإسلاميين. المؤيدون لتوسيع دائرة الاستفادة من العفو يتحدثون عن وجود حالات تأخرت محاكمتها لسنوات طويلة وعن ضرورة الفصل بين من تورط في أعمال إرهابية مباشرة وبين من ارتبطت ملفاتهم بظروف أمنية وسياسية معقدة. في المقابل، يرفض معارضو هذا التوجه أي إجراء يمكن أن يؤدي إلى إطلاق سراح أشخاص أدينوا أو اتهموا بالاعتداء على الجيش اللبناني أو المشاركة في أعمال عنف أودت بحياة عسكريين ومدنيين.  

إنطلاقا من ذلك، ترى المصادر أن نجاح القانون أو فشله مرتبط بقدرة القوى السياسية على إنتاج تسوية توازن بين ثلاثة اعتبارات متناقضة: العدالة لضحايا الجرائم والإرهاب، والاعتبارات الإنسانية للموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان، والحاجة إلى تخفيف الضغط عن السجون اللبنانية ومؤسسات القضاء. وعطفا على الكلام حول ضرورة إلغاء المحكمة العسكرية، تقول المصادر، أن الإشكالية تتوقف على أنها أبقت لسنوات طويلة على عدد من الملفات قبل صدور الأحكام، وبتوسع "مهامها" لتشمل محاكمة مدنيين في قضايا كان يفترض أن تنظر فيها المحاكم المدنية، لذلك نرى أن عدداً من السياسيين الذين يدعمون العفو يربطون بين إقرار القانون وبين إعادة النظر في دور المحكمة العسكرية أو إعادة هيكلتها وحصر اختصاصها بالقضايا العسكرية دون سواها.  

أما المعارضون للعفو، فالمشكلة بحسب المصادر لا تتوقف على المحكمة العسكرية بل بعدم تنفيذ العدالة بالكامل. ويعتبر هؤلاء أن من بين الموقوفين والمحكومين أشخاصاً متهمين أو مدانين في ملفات خطيرة تتعلق بالإرهاب أو الاعتداء على الجيش أو أحداث أمنية أدت إلى سقوط شهداء من العسكريين، وأن الحل ليس بالعفو بل باستكمال المحاكمات وتنفيذ الأحكام.

وبين معترضين وغير متشددين في مسألة المحكمة العسكرية، يبقى النقاش النيابي الحالي الذي يتجاوز أطر عمل المحكمة العسكرية وأحكامها الاستنسابية. وتلفت المصادر إلى ضرورة معالجة القضاء لثلاث نقاط أساسية وهي بطء القضاء وتأخر المحاكمات لسنوات طويلة، واكتظاظ السجون وأوضاع الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام نهائية، والخلاف السياسي حول الموقوفين الإسلاميين وقضايا الإرهاب والاعتداء على الجيش.  

وتختم المصادر، أن غالبية القوى السياسية تميل حالياً إلى صيغة وسطية تقوم على تخفيف بعض العقوبات ومعالجة حالات التوقيف الطويل، مع الإبقاء على تحفظات واسعة تجاه الملفات المرتبطة بقتل العسكريين والجرائم الإرهابية.

خلاصة الكلام،  لم يعد النقاش الدائر حول العفو العام مجرد نقاش قانوني، بل تحول إلى اختبار سياسي وأخلاقي يتعلق بكيفية التوفيق بين العدالة والمصالحة. وبين هذين الخيارين، يبدو أن مجلس النواب سيجد نفسه أمام مهمة صعبة تتمثل في صياغة قانون يحظى بأكبر قدر ممكن من التوافق، من دون أن يشعر أهالي الضحايا وشهداء الجيش بأن حقوقهم أو تضحيات أبنائهم أصبحت جزءاً من مساومات السياسة وزواريبها المحفوفة بانتهاكات قانونية.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o