جوانا فرحات
المركزية – على خلفية فيلم كرتوني و"عصافير غاضبة"، قامت القيامة في البلد ولم تقعد حتى اليوم. في مقطع الفيديو الذي بثته قناة تلفزيونية لبنانية يصور الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم ومقاتلي الحزب بشخصيات كرتونية مقتبسة من لعبة الفيديو الشهيرة "الطيور الغاضبة" خلال مواجهتهم مع إسرائيل، مما أثار جدلا واسعا في لبنان، اتخذ طابعا طائفياً فكانت المواجهة غير المبررة مع الكنيسة وتحديدا مع البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الذي حوله جمهور "حزب الله" إلى مادة مسيئة على وسائل التواصل الإجتماعي من خلال عرض صور لا تعبر إلا عن أخلاقية الجهة التي نشرتها، علما أن المقاربة لا تجوز بين سيد بكركي ورئيس حزب خارج عن القانون وفق قرار الحكومة. وهذا المشهد إن دلّ على شيء فعلى الشرخ الحاصل بين اللبنانيين من كل الطوائف وبين جمهور بيئة حزب الله.
قد لا يبدو المشهد مستجداً على اللبنانيين. ففي كل مرة يدخل فيها لبنان أتون حرب، تتقدّم خطوط التماس الخفية إلى الواجهة على جبهة المجتمع حيث تتصدّع العلاقات بين مكوّناته تحت ضغط الخوف والشكوك وتباين المواقف. إلا ان الحرب التي أقحم فيها "حزب الله" لبنان ثأراً لقتل المرشد الإيراني علي خامنئي بعد حرب إسناد غزة، فرضت هوة عميقة بين بيئة "حزب الله" وجمهوره، وبين شرائح واسعة من باقي الطوائف اللبنانية، في مشهد يعيد طرح السؤال الأخطر: هل ما زال هناك ما يكفي من المشترك الوطني لإعادة ترميم ما يتفكك؟
في بيئة الحزب، تُقرأ الحرب باعتبارها معركة دفاعية وامتداداً لصراع وجودي، فيما ترى فيها بيئات أخرى مغامرة تُفرض على الدولة والمجتمع من خارج الإجماع الوطني. وبين هاتين الروايتين، تتسع الهوة إلى حدّ بات اللبنانيون يعيشون واقعين متوازيين، لكل منهما سرديته ومخاوفه وأولوياته. ومع غياب الثقة بالدولة، تتحول الطائفة إلى ملاذ، ويُعاد إنتاج منطق "نحن" في مواجهة "هم"، في أخطر تحول يطال البنية الاجتماعية اللبنانية.
وفي هذا السياق تلعب بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي دوراً أساسياً في توسيع هذا الشرخ، من خلال خطاب تعبوي يتجاوز النقد السياسي إلى التحريض، ما يُضعف أي مساحة للنقاش العقلاني أو البحث عن نقاط التقاء.
الكاتب السياسي ومؤسس "دار الحوار" بشارة خيرالله لا يخشى من عدم القدرة على إعادة وصل ما قطعته أوصال هذه الحرب مستهلاً قراءته للمشهد بالتوضيح التالي: "عندما نتكلم عن الشرخ الطائفي على خلفية الحرب الدائرة اليوم لا نعني بذلك كل أبناء الطائفة الشيعية إنما عن جزء من جمهور "حزب االله"وتحديداً مؤيدي هذا الفريق الإيراني المؤدلج. فهذه المجموعة "ما بتشبهنا" ولا تشبه باقي أبناء الطائفة الشيعية ولا تشبه الإمام موسى الصدر ".
ويضيف "هذه الحرب كشفت عن الوجه الحقيقي لحزب الله وجمهوره اللصيق به من خلال سلوكه العدائي للدولة والمقامات الروحية وللبنانيين وأثبتوا أن هدفهم الحقيقي هو بناء الدولة الإسلامية، وأن كل التحالفات التي قاموا بها ليست إلا حلقة من مكائدهم السياسية التي قاموا عليها للوصول إلى مشروع تحويل لبنان إلى مقاطعة تابعة للجمهورية الإسلامية والباقي غش وخداع".
وعلى رغم قتامة المشهد، يجزم خيرالله بأن إعادة ترميم الشرخ العمودي الحاصل بين جمهور حزب الله وباقي الأطياف الطائفية في لبنان اليوم ليس مستحيلا" فحزب الله بدا يفقد قوته العسكرية ويضمحل شيعياً بإصراره على استكمال الحرب، والخاسر لا يكتب التاريخ. بالتوازي لا يخشى من الأجيال الناشئة التي يعمل الحزب على أدلجتها إلا أن المسار طويل وهو مشروط بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة كمرجعية وحيدة لقرار الحرب والسلم، وهو أحد أبرز الملفات الخلافية في الحياة السياسية اللبنانية. كما أن معالجة الجروح الاجتماعية تتطلب جهوداً طويلة الأمد، تبدأ بالاعتراف المتبادل بالمخاوف والهواجس، بدل إنكارها أو تخوينها" يختم خيرالله.
الانتقال من الشرخ الطائفي إلى اقتتال داخلي ليس حتمياً، لكنه احتمال واقعي إذا توافرت مجموعة من العوامل الخطيرة. والتجربة اللبنانية تُظهر أن الانقسامات المذهبية، حين تتقاطع مع السلاح والانهيار الاقتصادي وغياب الدولة، يمكن أن تنزلق بسرعة من توتر سياسي إلى صدام أمني.مع ذلك، قد يكون من الواقعي القول إن المرحلة المقبلة لن تشهد ترميماً كاملاً بقدر ما ستشهد محاولة لإدارة الانقسام. والسيناريو الأكثر ترجيحاً هو تصاعد الاحتكاكات الأمنية المحدودة، اشتباكات موضعية، توترات في مناطق حساسة، وربما حوادث ذات طابع مذهبي. أما الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة، فيبقى أقل احتمالاً في المدى القريب، لكنه ليس مستحيلاً إذا تراكمت الأزمات وفُقدت السيطرة. آنذاك لكل حدث أمني حديث آخر!






