11:39 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

الديموغرافيا اللبنانية بين الحاضر والمستقبل
لبنان 2026–2050: عندما يصبح اللبناني أقلية في وطنه؟
دراسة في الأرقام... ثم قراءة في ما تعنيه

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

في العدد 134 من مجلة الدفاع الوطني، تموز 2026، نشر الدكتور شوقي عطية، الباحث المتخصص في الديموغرافيا والأستاذ المحاضر في الجامعة اللبنانية – معهد العلوم الاجتماعية، دراسة بعنوان:
«الديموغرافيا اللبنانية بين الحاضر والمستقبل: سكان لبنان في أعدادهم وبُناهم وتحولاتهم 2026–2050».
وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من ندرة الإحصاءات الرسمية الحديثة في لبنان، إذ لم يُجرَ تعداد رسمي شامل للسكان منذ عام 1932. ويوضح الدكتور عطية أن غياب الأرقام الدقيقة يجعل الحديث عن حجم السكان وبنيتهم عرضة للتقديرات المتضاربة، فيما تشكل المعرفة الديموغرافية أساسًا لأي تخطيط اقتصادي واجتماعي وتنموي. 
ماذا تقول دراسة الدكتور شوقي عطية؟
تقدّر الدراسة عدد المقيمين على الأراضي اللبنانية في منتصف عام 2024 بنحو 6.86 ملايين نسمة.
ويتوزعون وفق الدراسة على النحو الآتي:
نحو 3.7 ملايين لبناني مقيم.
نحو 2.1 مليون سوري.
نحو 230 ألف فلسطيني.
نحو 830 ألفًا من مختلف الجنسيات الأخرى، مع الإشارة إلى أن فئة الأجانب تتضمن سوريين وفلسطينيين خارج بعض التصنيفات المستخدمة في الحساب.
وبذلك، يبقى اللبنانيون في ذلك التاريخ يشكلون نحو 54% من مجموع المقيمين. 
لكن المسألة لا تتوقف عند عدد السكان الحالي.
فالدراسة تشير إلى أن عدد اللبنانيين المقيمين انخفض من نحو 3.864 ملايين إلى 3.721 ملايين، وتربط التحولات الديموغرافية بمجموعة من العوامل، أبرزها تراجع الولادات، وارتفاع الوفيات، والهجرة.
وقد تراجعت الولادات اللبنانية بصورة واضحة منذ عام 2011، من نحو 97 ألف ولادة إلى مستويات أدنى بكثير، قبل أن تسجل عام 2025 ارتفاعًا إلى أكثر من 71 ألف ولادة، في ظاهرة يفسرها الباحث بظهور ما يسميه «جيل الصدى» Baby Echo. 
وفي المقابل، ارتفع عدد الوفيات، وأصبح النمو الطبيعي للسكان في مسار تنازلي؛ إذ تراجع من 72,369 نسمة عام 2011 إلى 37,025 نسمة عام 2025. 
أما الهجرة، فتشكل عاملًا إضافيًا في تقلص الكتلة اللبنانية، ولا سيما في الفئات العمرية المنتجة.
والأكثر أهمية أن الدراسة ترسم صورة مقلقة للمستقبل: فبحسب إسقاطاتها، قد يصل عدد المقيمين في لبنان عام 2035 إلى نحو 8.01 ملايين، بينما يمكن أن تنخفض حصة اللبنانيين إلى نحو 45%–48.8% من مجموع السكان. أي أن اللبنانيين قد يصبحون أقلية عددية بين مجموع المقيمين في بلدهم. 
كما تتوقع الدراسة أن يرتفع العمر الوسيط للبنانيين إلى 38 عامًا عام 2050، وأن ترتفع نسبة اللبنانيين الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا وما فوق إلى نحو 25%.
وهذا يعني أن لبنان لا يواجه فقط مشكلة انخفاض عدد اللبنانيين، بل يواجه أيضًا مشكلة تعمّر المجتمع اللبناني وارتفاع العبء الاقتصادي والاجتماعي على الفئات المنتجة والصناديق الضامنة. 
إلى هنا ينتهي ما ورد في دراسة الدكتور شوقي عطية.
أما ما يلي فهو تحليل الكاتب
الأرقام السابقة ليست مجرد جدول إحصائي يمكن أن نقرأه ثم ننتقل إلى موضوع آخر.
إنها، في حقيقتها، سؤال كبير عن لبنان الذي نعرفه اليوم، ولبنان الذي سنتركه لأبنائنا وأحفادنا غدًا.
عندما يقول لنا البحث إن اللبنانيين يشكلون اليوم نحو 54% من المقيمين، وإن هذه النسبة يمكن أن تتراجع إلى نحو 45%–48.8% في عام 2035، فنحن أمام تحول ديموغرافي لا يجوز التعامل معه وكأنه رقم عابر.
لكن علينا أن نكون واضحين أيضًا: هذه ليست دعوة إلى النظر إلى أي جماعة سكانية باعتبارها خصمًا أو خطرًا بسبب هويتها. المشكلة الأساسية التي يطرحها الرقم هي قدرة الدولة اللبنانية على إدارة السكان، وسوق العمل، والحدود، والإقامة، والخدمات، والتعليم، والصحة، والضمان الاجتماعي، والهجرة، في ظل هذا التحول الكبير.
وماذا عن اللبنانيين أنفسهم؟
هنا نصل إلى الجانب الذي لم تدخل فيه دراسة الدكتور عطية، وهو التكوين الطائفي للسكان اللبنانيين.
لا توجد في لبنان إحصاءات رسمية حديثة تسمح لنا بتقديم توزيع طائفي باعتباره «تعدادًا». فالبلاد لم تجرِ تعدادًا رسميًا منذ عام 1932.
لكن تقديرات Statistics Lebanon التي أوردتها وزارة الخارجية الأميركية في تقريرها عن الحرية الدينية لعام 2023، تضع المواطنين اللبنانيين تقريبًا عند:
32.2% شيعة
31.2% سنّة
5.5% دروز
0.6% علويون وإسماعيليون
30.5% مسيحيون، والموارنة يمثلون 52.5% من المسيحيين، يليهم الروم الأرثوذكس بنحو 25%. 
وهذه النسب تقديرات وليست نتائج تعداد رسمي، ولذلك يجب التعامل معها بهذه الصفة.
إذا أسقطنا هذه النسب، على سبيل التقريب الحسابي فقط، على عدد اللبنانيين المقيمين الذي تقدره دراسة عطية بنحو 3.721 ملايين، فنحن نتحدث عن كتل سكانية كبيرة لكل من المسلمين السنّة والشيعة والمسيحيين، إضافة إلى الدروز وسائر الطوائف.
لكن الأهم ليس الرقم الطائفي بحد ذاته.
الأهم هو أن كل هذه المكونات اللبنانية تواجه المشكلة الديموغرافية نفسها بدرجات مختلفة: الهجرة، انخفاض الخصوبة، تغير سن الزواج، ارتفاع كلفة تكوين الأسرة، وتراجع النمو الطبيعي.
وهنا يجب أن نخرج من الحساب الطائفي الضيق إلى السؤال الوطني الأوسع:
كم لبنانيًا سيبقى في لبنان؟
ليست المشكلة في أن يزداد عدد المقيمين... بل في أن يتراجع عدد اللبنانيين
لبنان بلد صغير المساحة، محدود الموارد، هش اقتصاديًا، ويعاني أصلًا من أزمة مالية ومؤسساتية عميقة.
وفي الوقت نفسه، تستمر أعداد كبيرة من اللبنانيين في الهجرة بحثًا عن العمل والاستقرار، بينما يعيش في لبنان ملايين من غير اللبنانيين.
هنا تصبح مسؤولية الدولة مضاعفة.
فالدولة مطالبة من جهة بإدارة وجود المقيمين على أرضها وفق القانون، ومن جهة أخرى بأن تؤمن للبناني حقه الطبيعي في العمل داخل وطنه.
وهذا يقودنا مباشرة إلى سوق العمل.
عندما يجد اللبناني نفسه أمام سوق عمل مفتوح وغير منظم، وحين تكون هناك قطاعات واسعة تعتمد على العمالة الأجنبية، تصبح المنافسة على فرص العمل قضية وطنية واجتماعية، لا قضية عنصرية ولا طائفية.
والحل ليس في تحميل السوري أو الفلسطيني أو العامل الأجنبي مسؤولية فشل الدولة.
المسؤولية الأولى تقع على الدولة التي تضع القوانين ولا تطبقها، أو تطبقها بصورة انتقائية.
الدولة الغائبة أمام سوق العمل
إذا كان اللبناني يغادر بلده لأنه لا يجد فرصة عمل مناسبة، ثم يجد في المقابل آلاف فرص العمل التي يشغلها غير لبنانيين، يصبح السؤال مشروعًا:
أين الدولة؟
الدولة ليست مطالبة بمنع الأجنبي من العمل لمجرد أنه أجنبي، لكنها مطالبة بتطبيق قانون العمل، وتنظيم المهن، وتحديد شروط الإقامة والعمل، وحماية العامل اللبناني، ومكافحة العمالة غير الشرعية.
وهذا الأمر يجب أن ينطبق على الجميع دون استثناء.
فالقانون لا ينبغي أن يكون قويًا على اللبناني وضعيفًا أمام من يخالفه.
الديموغرافيا تبدأ من الاقتصاد
لا يمكن أن نطلب من الشاب اللبناني أن يتزوج وينجب ويؤسس عائلة، بينما هو عاجز عن تأمين وظيفة، أو منزل، أو طبابة، أو تعليم لأولاده.
ولا يمكن أن نطلب من العائلة اللبنانية أن تنجب أكثر بينما الدولة لا تستطيع تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة.
لذلك فإن الأزمة الديموغرافية ليست منفصلة عن الأزمة الاقتصادية.
الشاب الذي يهاجر هو رقم ديموغرافي.
لكنه قبل أن يصبح رقمًا في الدراسات، هو طاقة بشرية فقدها لبنان.
والطفل الذي لا يولد بسبب خوف والديه من المستقبل هو أيضًا رقم ديموغرافي.
لكن خلف الرقم عائلة لبنانية قررت أن طفلًا واحدًا يكفي لأن ظروف الحياة لا تسمح بأكثر.
لبنان 2050... أي لبنان نريد؟
الدراسة لا تقول إن المستقبل قدر محتوم.
بل على العكس، يؤكد الدكتور عطية في خلاصته أن التوقعات الديموغرافية يمكن أن تساعد على التنبه المبكر والعمل على تغيير المسار قبل فوات الأوان. 
وهنا يبدأ دور الدولة.
إذا عرفنا اليوم أن عدد اللبنانيين يتراجع، وأن الهجرة مستمرة، وأن الولادات انخفضت، وأن المجتمع يتجه نحو التعمّر، فإن السؤال ليس:
ماذا سيحدث عام 2050؟
بل:
ماذا سنفعل ابتداءً من اليوم حتى لا نصل إلى ذلك الواقع من دون خطة؟
نحتاج إلى سياسة وطنية للسكان.
نحتاج إلى سياسة جدية لإعادة اللبنانيين إلى بلدهم، أو على الأقل إبقائهم فيه.
نحتاج إلى سوق عمل منظم.
نحتاج إلى حماية فعلية للعمالة اللبنانية.
نحتاج إلى سياسة إسكانية تساعد الشباب على الزواج وتكوين الأسرة.
نحتاج إلى دعم العائلة والولادات.
ونحتاج قبل كل شيء إلى دولة تعرف عدد سكانها، ومن يعيش على أرضها، ومن يعمل فيها، ومن يدخل إليها ومن يغادرها.
من يملك قرار لبنان الديموغرافي؟
المسألة في النهاية ليست طائفية.
لبنان ليس بحاجة إلى معركة جديدة بين اللبنانيين حول من هو الأكثر عددًا.
لبنان بحاجة إلى أن يعرف كم أصبح عدد اللبنانيين، ولماذا ينخفض عددهم، ولماذا يهاجرون، ولماذا تتراجع الولادات، وكيف يمكن أن يبقى الإنسان اللبناني قادرًا على العيش والعمل وتكوين عائلة في وطنه.
فإذا استمرت المعادلة الحالية، فإننا لا نخسر فقط نسبة من السكان.
نخسر أجيالًا لبنانية.
ونخسر كفاءات.
ونخسر قوة العمل.
ونخسر دافعي الضرائب.
ونخسر أبناءنا الذين يبنون مستقبل بلدان أخرى بدل أن يبنوا مستقبل لبنان.
وهنا يصبح السؤال الديموغرافي سؤالًا سياديًا واقتصاديًا واجتماعيًا في آن واحد.
ليس المطلوب أن نخاف من الآخر.
المطلوب أن تتوقف الدولة عن الخوف من مواجهة أرقامها.
فالديموغرافيا لا تنتظر البيانات السياسية ولا الخطب الانتخابية.
الأرقام تمضي.
والسنوات تمضي.
والجيل الذي يغادر اليوم قد لا يعود غدًا.
وإذا كانت دراسة الدكتور شوقي عطية تضع أمامنا رقمًا قد يصل إلى 45%–48.8% للبنانيين من مجموع المقيمين عام 2035، فإن واجب الدولة اليوم ليس إنكار الرقم ولا تخويف الناس منه، بل وضع سياسة وطنية تجعل هذا المستقبل قابلًا للتغيير. 
لبنان لا يحتاج إلى تعداد يخبره فقط كم أصبح عدد سكانه؛ لبنان يحتاج إلى دولة تعرف كيف تحافظ على شعبها.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o