جوانا فرحات
المركزية – لم يعد الكلام عن انتشار حوالى 60 ألف مقاتل سوري على الحدود اللبنانية-السورية وعديد مماثل تقريبا على الحدود السورية-العراقية هو لضبط الحدود خصوصا في هذه اللحظات التي تعيش فيها منطقة الشرق الأوسط مرحلة تغيير جذري. وعلى رغم المواقف الصادرة عن الجانب السوري بعدم التدخل في الشأن اللبناني وحرص الرئيس السوري أحمد الشرع على إيفاد رسائل إلى الدولة اللبنانية عبر وزير خارجيتها أسعد الشيباني، إلا أن الوقائع الميدانية المستجدة لا سيما على الحدود السورية-العراقية تشي بما أهو أكبر من مسألة "ضبط حدود".
تمثل الحدود السورية–العراقية إحدى أهم المناطق الجيوسياسية في الشرق الأوسط، نظراً لامتدادها على مسافة تتجاوز الـ 600 كيلومتر، وارتباطها بمصالح أمنية وعسكرية واقتصادية تتجاوز حدود الدولتين. ومنذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، تحولت هذه الحدود إلى فضاء استراتيجي تتقاطع فيه مصالح الدول الإقليمية والقوى الدولية والفاعلين من غير الدول، الأمر الذي جعلها إحدى أكثر المناطق حساسية في الإقليم.
بالتوازي لا يمكن تفسير الحشود العسكرية السورية على الحدود مع العراق من خلال منظور أحادي، إذ أنها تعكس تداخلاً بين متطلبات الأمن الوطني، وحسابات الردع العسكري، والتوازنات الإقليمية، وإدارة الحدود، والجغرافيا السياسية. فمن منظور الواقعية، تمثل الحشود سلوكاً يهدف إلى تعظيم أمن الدولة في بيئة إقليمية مضطربة، بينما تفسرها نظرية المعضلة الأمنية باعتبارها إجراءات دفاعية قد تُنتج ردود فعل مقابلة من الأطراف الأخرى. أما نظرية الأمننة فتوضح كيف تتحول قضايا مثل الإرهاب والتهريب إلى مبررات لاتخاذ تدابير استثنائية وتعزيز الوجود العسكري.
وعليه، فإن فهم هذه التحركات يتطلب الجمع بين التحليل العسكري والسياسي والجيوسياسي، مع مراعاة أن طبيعة الحشود وأهدافها قد تتغير تبعاً للمتغيرات الأمنية والإقليمية.
الكاتب والمحلل السياسي خالد زين الدين يوضح لـ"المركزية" أن عملية الانتشار العسكري للجيش السوري على الحدود السورية -العراقية يأتي ردا على وجود انتشار لميليشيا الحشد الشعبي التابع لنظام المرشد الإيراني . والواضح أن هذا الإنتشار يأتي رداً على ما يتردد منذ فترة عن احتمال تدخل الجيش السوري في عملية القضاء على ميليشيا وأذرع إيران في المنطقة من الحشد الشعبي في العراق وصولا إلى حزب الله في لبنان. لكن ما يجب التوقف عنده هو التوقيت لعملية الانتشار على الحدود خصوصا أنه يأتي في لحظة تعيش فيها المنطقة مرحلة تطورات مصيرية وسيؤدي ذلك الى صراع كبير بين سوريا وإيران من جهة والعراق وإيران من جهة أخرى والى انفصال كردستان عن العراق.
في ما خص الحشود العسكرية التابعة لجيش سوريا الجديدة على الحدود اللبنانية-السورية يقول زين الدين أن اي توتر على الحدود السورية العراقية سيدفع حزب الله الى التحرك والقيام بعمليات من شأنها أن تؤدي إلى توتر على الحدود الشمالية، علماً ان امين عام حزب الله نعيم قاسم اعلن منذ يومين أنه على استعداد لفتح صفحة جديدة مع النظام السوري الجديد. لكن الصراع حاصل حتما والمساعي تتركز حالياً على أن لا يحمل الصدام المتوقّع صفة صراع سني -شيعي لأنه بطبيعة الحال سيتحوّل إلى صدام تركي-إيراني والرابح الأكبر في هذه الجولة من الحرب الجديدة هي دولة إسرائيل، كما أن هذا الصراع سيكون بين أقوى جيشين التركي والإيراني وسيؤدي إلى تدمير لبنان وسوريا والعراق وهذا ما تريده إسرائيل. ولا ننسى أن صراعاً مماثلاً سيقضي حتما على الوجود المسيحي في لبنان".
السؤال البديهي الذي يطرح هل نحن ذاهبون إلى هذا السيناريو؟
"لبنان ليس في أحسن حال ولن يكون قبل نزع سلاح حزب الله. وإلى حين الوصول إلى هذه اللحظة المصيرية من تاريخه المعاصر وما هو مطروح على خارطة الشرق الأوسط أتوقع حصول عملية خلط أوراق داخلية وسيشهد الداخل اللبناني على تحولات جذرية ونهاية زعامات تاريخية وتغيير ملحوظ في هوية النظام اللبناني ".
ويختم زين الدين تعقيبا على التحولات التي سترسو عليها خارطة لبنان الجديد " مشروع توطين الفلسطينيين في لبنان بدأ يُطبخ على نار هادئة والتقسيم الإفتراضي الحاصل اليوم سيتحول إلى حقيقة واضحة المعالم على خريطة الشرق الأوسط الجديدة. وطالما أن لبنان لا يملك أوراق قوة يضعها على طاولة المفاوضات، سيبقى الحلقة الأضعف لأن هناك ظروفا إقليمية ودولية تحول دون نجاح العهد الجديد".






