12:02 PMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

الانتظار وخيبة الأمل…

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

في وطن لا يشبه أي وطن، باتت خيبة الأمل المرادف لكل مفاصل حياتنا. تنتظر وطناً لا يصل، تنتظر حباً يرحل، تنتظر وعداً يتبخر، تأمل بفرح يوماً لا تدركه، تبحث عن أمل لا تجده، وهكذا، خيبة وراء أخرى في وطن لا يشبه وطناً.
تأمل بمحاربة الفساد، وإذ به يستشري أكثر. تنام على وعد بأنه سيكون لك وطن، تستيقظ على حلم تبخر. ماذا بعد؟

هل يعي المسؤولين غير المسؤولين أن عدد اللبنانيين المقيمين في لبنان هو العدد الأقل، حيث فاق الوجود الأجنبي عدد اللبنانيين مجتمعين؟ هل يعي قطبا المسيحية، الزمني والديني، أن عدد المسيحيين عام 2030 قد لا يتعدى الـ500 ألف موجود في لبنان؟ هل يعي المسؤول أن أرواح شبابنا تزهق على الطرقات على يد أصناف من البشر؟ هل يعلم المسؤول أن معظم الفانات والشاحنات يقودها أجانب دون رخصة سوق؟ هل يعلم المسؤول أن عمليات تهريب البشر وغير البشر ناشطة على كافة الأراضي اللبنانية، وآخرها حادث غلبون؟ كل هذه الأسئلة تعود بنا إلى سؤال واحد: أين الدولة؟

الدولة التي يفترض أن تعرف من يدخل إلى أراضيها، ومن يخرج منها، ومن يعمل فيها، ومن يقود على طرقاتها، ومن يلتزم بالقانون ومن يخالفه. وليس المطلوب أن تتحول قضية اليد العاملة الأجنبية إلى قضية ضد الإنسان أو ضد جنسية بعينها، بل أن تكون قضية قانون وتنظيم وأولوية للمواطن اللبناني. ومن هنا، لا يمكن أن نتحدث عن اليد العاملة الأجنبية ونغفل قطاعاً لبنانياً بالغ الأهمية، هو صناعة الدراما اللبنانية. فإذا كانت الدولة قد بدأت، مشكورة، تلتفت إلى ملف العمالة الأجنبية، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا عن اليد العاملة الأجنبية في صناعة الدراما اللبنانية؟

ففي هذا الوسط، بات الاقتباس السائد أن الحضور الأجنبي يشمل مستويات متعددة، من الورق إلى التقني؛ من الكتابة والتأليف إلى التمثيل وسائر المهن التقنية والفنية. وهنا يصبح السؤال أكثر إيلاماً: أين حماية الفنان اللبناني؟ وإلى متى سيبقى مهمشاً على يد من لديه القدرة على دعمه، بدلاً من دعم الأجنبي تحت حجة زائلة أنه "يبيع أكثر"؟ هل أصبح الفنان اللبناني، في وطنه، بحاجة إلى أن يثبت أنه يبيع أكثر حتى يحصل على حقه في العمل؟

لا أحد يطالب بإغلاق الباب أمام الموهبة العربية أو الأجنبية، ولا بإلغاء المنافسة، لكن المنافسة الحقيقية تبدأ عندما يكون القانون واحداً على الجميع، وعندما تكون هناك حماية عادلة للكفاءة اللبنانية. فما قيمة أن نبحث عن حماية اللبناني في بعض القطاعات، ثم نتركه مهمشاً في قطاع آخر يفترض أن يكون من أهم وجوه لبنان وهويته؟ وإلى متى سيبقى القانون في الأدراج؟ وإلى متى سيبقى الفنان يدفع الثمن؟

إن حماية الفنان اللبناني ليست منّة من أحد، بل هي حماية لثقافتنا وهويتنا وصناعتنا الفنية، وحماية لفرصة العمل في بلدٍ أصبح أبناؤه أنفسهم يبحثون عن فرصة خارج حدوده. وهنا تعود بنا الحكاية كلها إلى نقطة واحدة: المواطن اللبناني الذي ينتظر الدولة. هل تعلم أن لا أمل بدولة أقل ما يمكن أن تجعلني أعود إلى بيتي سالماً؟ إذا خرجت منه، أعود إليه. كيف لي أن أثق بدولة لا توفر لي الحد الأدنى من مستلزمات الحياة؟ لا كهرباء، لا ماء، لا غذاء، غلاء يفوق القدرة على احتماله.

كيف لي أن أثق بدولة لا أضمن فيها سلامتي على الطريق، ولا أعرف كيف تُنظّم العمالة، ولا أرى القانون مطبقاً على الجميع، ولا أجد حماية كافية لابن بلدي في عمله وثقافته وفنه؟ كيف لي أن أثق بدولة تجعلني أنتظر أبسط حقوقي؟

ننتظر الكهرباء… ننتظر الماء… ننتظر الأمن… ننتظر القضاء… ننتظر محاربة الفساد… ننتظر الإصلاح… ننتظر الدولة. وفي كل مرة نكتشف أن علينا أن ننتظر أكثر. ننتظر وطناً لا يصل، وننتظر وعداً يتبخر، وننتظر أملاً لا يأتي. حتى أصبح الانتظار نفسه جزءاً من حياتنا،

وأصبحت خيبة الأمل أمراً اعتدنا عليه. لكن المشكلة أن المواطن لا يستطيع أن ينتظر إلى ما لا نهاية. فالشاب الذي يموت على الطريق لن ينتظر. والشاب الذي يهاجر لن ينتظر. والفنان الذي يُهمّش لن ينتظر. والعائلة التي لا تستطيع تأمين الكهرباء والماء والغذاء لن تنتظر.
والوطن الذي يخسر أبناءه كل يوم لا يستطيع أن يبقى في حالة انتظار. ماذا أعطتني جمهورية الموز غير النكبات وخيبات الأمل؟

سؤال بسيط، لكنه يحمل كل وجع هذا الوطن. نحن لا نطلب المستحيل. نريد دولة تحمينا. دولة، أقل ما يمكن أن تفعله، أن تجعلني إذا خرجت من بيتي أعود إليه سالماً. دولة تحمي عملي. تحمي فناننا. تحمي شبابنا. تحمي طرقاتنا. تحمي حدودنا. وتطبق القانون على الجميع. دولة تجعل اللبناني يشعر أنه صاحب وطن، وليس مجرد شخص يعيش فيه وينتظر دوره في الخيبة.

فإلى متى؟ إلى متى سنبقى ننتظر وطناً لا يأتي؟ إلى متى سيبقى القانون في الأدراج؟ إلى متى سيبقى الفنان اللبناني يدفع الثمن؟ إلى متى سيبقى المواطن يدفع ثمن غياب الدولة؟ ربما أخطر ما وصلنا إليه ليس الفساد وحده، ولا الهجرة وحدها، ولا الغلاء وحده… بل أن تتحول خيبة الأمل إلى قناعة بأن لا شيء سيتغير. وهنا تصبح الكارثة أكبر من كل الأزمات. لأن الوطن لا يموت فقط عندما تنهار مؤسساته، بل عندما يفقد أبناؤه الأمل به.

ننتظر وطناً لا يصل… ننتظر وعداً يتبخر… ننتظر أملاً لا يأتي… وهكذا… خيبة وراء أخرى، في وطن لا يشبه وطناً.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o