كتبت د. زينة منصور:
واشنطن لا تشتري موارد بل مواقع للأمن والطاقة والتكنولوجيا، وتدفع ثمناً كبيراً مقابل تقليل المخاطر على المدى الطويل. فسياسة ترامب ليست الرسوم الجمركية وحماية الصناعة، بل نموذج اقتصادي يربط الطاقة والمعادن وأشباه الموصلات والذكاء الإصطناعي والموقع الجغرافي بالأمن القومي والقدرة على تحويل الموارد الى منتج وارباح.
وهكذا تندرج الاتفاقيات مع أوكرانيا وفنزويلا وتايوان وغرينلاند كحلقات في خطة مترابطة: تأمين الموارد، إعادة توطين الإنتاج، تقليص الإعتماد على المنافسين، وتحويل القوة الجيوسياسية إلى قدرة إقتصادية. والسؤال ليس كم تملك أميركا من النفط والمعادن والرقائق، بل هل يمكنها وبوقت سريع حويل الأصول والنفوذ إلى إنتاج ونمو وإيرادات تخفف عبء الدين؟.
إقتصاد الأمن القومي
الإتفاقيات الأربع ليست متشابهة لكنها تكشف قراراً واضحاً: تحويل الموارد والتكنولوجيا والموقع الجغرافي إلى أدوات للقوة الإقتصادية والأمن القومي.
فنزويلا تمثل رهاناً على أمن الطاقة، وتايوان على الرقائق والذكاء الإصطناعي، وأوكرانيا على المعادن وإعادة الإعمار، وغرينلاند على الموقع القطبي.
لكن النجاح لا يقاس بحجم الاحتياطي أو قيمة الاتفاقيات، بل بقدرتها على إنتاج عائد إقتصادي. والسؤال هل تنمو الإيرادات أسرع من الدين؟. وبكم من الوقت تتحول إلى إنتاج؟ والموقع القطبي إلى قيمة اقتصادية؟.
ترامب لا يسدد الدين بالموارد بل يقوي الإقتصاد لوقف الدين عبر تأمين العناصر الأساسية للقوة الاقتصادية والإنتاج بدل الاستهلاك. إنما إذا احتاج هذا الإصلاح إلى ديون أكثر مما يولده من نمو وإيرادات، فإن مشكلة الدين لن تحل، بل قد تتأجل او قد يضاف عليها طبقة جديدة.
الدين لا يسقط بالموارد بل ينحصر
لا تستطيع واشنطن استخدام النفط الفنزويلي أو المعادن الأوكرانية مباشرة لسداد سندات الخزانة. المعادلة تكمن في أن تأمين الموارد يؤدي إلى تقليل مخاطر الإمدادات، دعم التصنيع، زيادة النمو، توسيع القاعدة الضريبية، تحسين نسبة الدين إلى الناتج. وهنا أهمية النمو والاقتصاد المنتج. فالمشكلة ليست حجم الدين، بل العلاقة بين نمو الدين ونمو الإقتصاد. ويأتي هذا المخطط في وقت تتوقع لجنة الميزانية في الكونغرس عجزاً فدرالياً بنحو 1.9 تريليون في السنة المالية 2026، وارتفاع الدين المحتفظ به لدى الجمهور من نحو 101% من الناتج إلى 120% في 2036، مع ارتفاع فوائد الدين من 3.3% إلى 4.6% من الناتج. لذلك تُقاس نتائج هذه الخطة الإصلاحية بقدرتها على زيادة الناتج والإيرادات أكثر من زيادة الإنفاق والإقتراض.
الرؤية الأميركية: 4 حلقات لتأمين النفوذ
1. فنزويلا - حلقة النفط:
اتفاق ٱب 2026 يمنح شركة اميركية امتياز 100 عام لتطوير 17 حقلاً (65 مليار برميل). الهدف ليس شراء النفط بل تأمين مصدر في نصف الكرة الغربي. أما التحدي، الإحتياطي ليس إنتاجاً، وإعادة التأهيل يحتاج سنوات ومليارات.
2. تايوان - حلقة الرقائق
اتفاق كانون الثاني 2026 يلزم تايوان باستثمار 250 مليار دولار + 250 مليار ضمانات في أميركا للرقائق والذكاء الاصطناعي. المكسب سيتحول إلى وظائف وأمن تكنولوجي وسلاسل إمداد آمنة. أما الثمن، تكلفة إنتاج أعلى في البداية لحاجته لطاقة وبنية تحتية ضخمة.
3. أوكرانيا - حلقة المعادن
اتفاق 30 نيسان 2025 أنشأ صندوقاً للموارد وإعادة الإعمار. الهدف يمكن في دخول منظومة المعادن وتقليل الإعتماد على الصين. لكن القيمة ليست في الخام، بل في بناء سلاسل كاملة للمعالجة وااتصنيع.
4. غرينلاند - حلقة الموقع الجغرافي
إتفاق 22 كانون الاول 2026 مع الدنمارك وغرينلاند هو إتفاق أمني- دفاعي، يعزز الوجود الأميركي ويقيّد نفوذ الصين وروسيا. قيمته ليست في الموارد بل في الموقع القطبي الذي يتحكم بطرق التجارة والمعادن.
الصين وروسيا وأوروبا
قوة الصين ليست في المعادن حصرياً بل في سيطرتها على السلسلة كلها من المعالجة إلى التصنيع إلى البطاريات. لذلك معادلة المنافسة، منجم، معالجة، تصنيع، تكنولوجيا، سوق، وتأمين المناجم وحدها لا تكفي لواشنطن. أما روسيا فتتأثر في أوكرانيا والقطب الشمالي حيث يتداخل صراع الموارد والممرات.
تواجه أوروبا منافسة أشد على رأس المال والرقائق، والمستهلك الأميركي قد يدفع ثمن إعادة التصنيع عبر التضخم والرسوم وارتفاع الفائدة..
نجاح "خطة الموارد" مرهون بتحويلها لإنتاج وأرباح وضرائب تنمو أسرع من الدين، وإلا تحولت لعبء يمول بالدين.






