عُلم أن وفداً برلمانياً فرنسياً سيزور سوريا في آب المقبل، لبحث مستقبل العلاقات الثنائية، والتعاون الاقتصادي، وملفات إعادة الإعمار وتقديم الاستشارة القانونية، وذلك عقب الزيارة التي أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق.
وتعتبر زيارة الرئيس الفرنسي بوابة انفتاح أمام تحولات سياسية كبرى، ويتم تعزيزها بزيارة مقررة على مستوى البرلمانات والمؤسسات، حيث يكسبها بعداً مختلفاً. وتبدو زيارة الوفد البرلماني الفرنسي ذات دلالة تتجاوز بعدها البروتوكولي. فهي تشير إلى أن باريس بدأت تنظر إلى سوريا باعتبارها شريكاً يمكن بناء علاقة طويلة الأمد معه، لا مجرد ملف إقليمي تديره وفق متطلبات السياسة الخارجية أو التطورات الأمنية.
تعاون تشريعي في مرحلة إعادة بناء القانون
يضمّ الوفد البرلماني الفرنسي يضم إلى جانب النواب، عدداً من الخبراء القانونيين والمستشارين التشريعيين، في خطوة تعكس اهتماماً فرنسياً بتطوير التعاون مع مجلس الشعب في المجال القانوني.
ويوضح المصدر أن هؤلاء الخبراء سيجرون سلسلة لقاءات مع أعضاء مجلس الشعب وعدد من المتخصّصين، لبحث آليات تبادل الخبرات في إعداد وصياغة التشريعات التي ستكون مطلوبة خلال المرحلة المقبلة، سواء تلك المرتبطة بالإدارة العامة، أو الاستثمار، أو إعادة تنظيم القطاعات الاقتصادية والخدمية.
وتأتي هذه الخطوة في ظل حاجة سوريا إلى تحديث جزء من منظومتها القانونية بما يتناسب مع التحولات التي تشهدها مؤسسات الدولة، وبما يوفر بيئة تشريعية أكثر قدرة على مواكبة متطلبات إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات.
ويكتسب هذا التعاون بعداً إضافياً بالنظر إلى الخلفية التاريخية المشتركة بين النظامين القانونيين. فالقانون المدني السوري استلهم عند وضعه جانباً مهماً من المدرسة القانونية الفرنسية، قبل أن يتطور لاحقاً بما يتناسب مع الخصوصية السورية. وهذا الإرث القانوني يخلق لغة مشتركة بين المتخصّصين في البلدين، وقد يسهل تبادل الخبرات الفنية في مجالات الصياغة التشريعية، من دون أن يعني نقل التجربة الفرنسية أو استنساخها.
استثمارات وإعادة الإعمار
وعلى الرغم من أن العنوان المعلن للزيارة يركز على العلاقات البرلمانية، فإن الاقتصاد يبدو حاضراً في خلفية المشهد، فإعادة إعمار سوريا لن تتوقف على حجم التمويل أو عدد الشركات الراغبة في الاستثمار، بل ستعتمد أيضا على البيئة القانونية التي ستنظم تلك العملية. ولذلك، فإن تحديث القوانين المتعلقة بالاستثمار، والشركات، والعقود، والإدارة المحلية، والمالية العامة، سيكون جزءا من عملية إعادة البناء نفسها.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الفرنسي بالشق التشريعي، فالدول التي ترغب في أن يكون لها دور اقتصادي في المستقبل، تبدأ عادة بمتابعة البيئة القانونية التي ستعمل ضمنها شركاتها لاحقا.
وتدرك باريس أن أي حضور اقتصادي مستقبلي يحتاج إلى قواعد قانونية مستقرة، ومؤسسات قادرة على تطبيقها، وهو ما يجعل التعاون مع البرلمان جزءا من رؤية أوسع، لا تقتصر على الحاضر، إنما تستهدف السنوات المقبلة.
تقاطع المصالح السياسية والاقتصادية
وتسعى باريس إلى استعادة حضورها في المشرق، ليس فقط من بوابة السياسة، إنما أيضاً من خلال الاقتصاد والاستثمار. وسوريا، بما تمثله من موقع جغرافي، وبما تحتاجه من مشاريع إعادة إعمار واسعة، تشكل فرصة لا ترغب فرنسا في أن تبقى بعيدة عنها.
كما أن دمشق تسعى لتنويع شراكاتها الدولية، والانفتاح على القوى الأوروبية القادرة على الإسهام في إعادة الإعمار، ونقل الخبرات، وتطوير مؤسسات الدولة.
ولهذا، فإن الطرفين يبدوان أمام مساحة مشتركة من المصالح، تفتح الباب أمام إدارة مختلفة للعلاقة، تقوم على التعاون في الملفات التي تحقق منفعة متبادلة.
كما أن فرنسا تدرك أن أي خطوة تقوم بها تجاه دمشق ستكون محل متابعة من بقية العواصم الأوروبية، وأن نجاح هذا المسار قد يشجع دولا أخرى على إعادة النظر في مستوى انخراطها مع المؤسسات السورية.
بداية مرحلة وليس نهاية مسار
تبدو البعثة البرلمانية الفرنسية، في توقيتها ورسائلها، امتداداً طبيعياً لزيارة الرئيس ماكرون، لكنها تحمل في الوقت نفسه دلالة تتجاوز تلك الزيارة. فهي تعكس محاولة فرنسية لنقل العلاقة مع سوريا من مستوى التواصل السياسي إلى مستوى التعاون المؤسسي، حيث تصبح البرلمانات، والخبراء، والمؤسسات، جزءا من عملية بناء الثقة بين البلدين.
ويبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة الطرفين على تحويل الحوار إلى خطوات عملية، سواء في المجال التشريعي أو الاقتصادي أو الإداري. لكن المؤكد أن انتقال التواصل من القصر الرئاسي إلى مجلس الشعب يشير إلى أن باريس لا تريد أن يكون انفتاحها على دمشق حدثاً عابراً، بل بداية علاقة تسعى إلى ترسيخها عبر مؤسسات الدولة، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الشراكة، والمصالح المتبادلة، والاستعداد لما بعد إعادة بناء سوريا.
موقع "المدن"






