قالت وزارتا الخارجية الأردنية والسورية في بيان مشترك أمس الثلاثاء، إن البلدين اتفقا على تشكيل لجنة أمنية مشتركة للوقوف على جميع التفاصيل والحقائق في الغارات الجوية الأردنية التي استهدفت مواقع لتنظيم "داعش" في سوريا.
وأبلغ وزير الخارجية الأردنية أيمن الصفدي نظيره السوري أسعد الشيباني بأن الهجمات التي وقعت أمس: "جاءت استناداً إلى معلومات ميدانية ولتحييد تهديدات مؤكّدة وعمليات إرهابية وشيكة كانت تستهدف أمن الأردن". وعبّر الصفدي "عن بالغ الأسف والألم" لسقوط قتلى من المدنيين خلال العمليات.
ولم تكن الغارات التي استهدفت مواقع في جنوب سوريا، مجرد عملية عسكرية لملاحقة تنظيم "داعش"، فقد كشفت عن حساسية المعادلة الأمنية بين دمشق وعمّان، في مرحلة تحاول فيها سوريا تثبيت سلطة الدولة وإعادة تنظيم علاقاتها مع دول الجوار. وبينما بررت الأردن العملية بمواجهة تهديدات أمنية، برزت الحاجة إلى احتواء تداعياتها ومنع انتقال الخلاف إلى العلاقات الثنائية.
وأبلغ مصدر خاص "المدن"، بزيارة قام بها وفد أمني سوري إلى الأردن برئاسة العميد عبد الرحمن الدباغ، مسؤول جهاز المخابرات الخارجية، لبحث آليات التنسيق الأمني المشترك عقب أحداث الاثنين. كما أفاد المصدر بوجود تنسيق مسبق بين البلدين.
بين التنسيق المسبق والسيادة السورية
وأعلنت الخارجية الأردنية أن الغارات استهدفت مواقع مرتبطة بتنظيم "داعش"، استناداً إلى معلومات أمنية عن تهديدات تستهدف الأردن. وقال الناطق باسم الحكومة الأردنية محمد المومني إن التقديرات الأولية تشير إلى مقتل أكثر من عشرين عنصراً من التنظيم وتدمير مستودع للأسلحة، معرباً عن الأسف لسقوط ضحايا مدنيين.
كما اعترضت دمشق على الضربات، وأكدت أن تنفيذ عمليات داخل الأراضي السورية ينبغي أن يجري بالتنسيق مع مؤسسات الدولة. وهنا تبرز أهمية المعلومات المتعلقة بوجود تنسيق مسبق بين الطرفين؛ إذ إن ثبوتها يفرض التمييز بين التنسيق الأمني القائم، والإخطار بتفاصيل عملية محددة، والاتفاق على أهدافها وتوقيتها.
فالتنسيق بين الأجهزة الأمنية لا يعني بالضرورة أن جميع تفاصيل أي عملية عسكرية قد نوقشت مسبقاً، كما أن الخلاف بشأن إجراءات التنفيذ لا يعني انهيار التعاون بين البلدين. وقد يكون وصول الوفد السوري إلى عمّان جزءاً من مسعى لتوضيح ما جرى، وتحديد المسؤوليات، ووضع آليات تمنع تكرار الالتباسات.
وتكمن أهمية هذا المسار في أن دمشق لا تستطيع تجاهل المخاطر التي تمثلها التنظيمات المتطرفة وشبكات التهريب، لكنها في الوقت نفسه معنية بمنع تحول التهديدات الأمنية إلى مبرر لعمليات عسكرية متكررة خارج إطار التفاهمات الرسمية.
داعش والتهديدات العابرة للحدود
وجاءت الغارات بعد الهجوم المسلح الذي استهدف مشيعين خلال جنازة في محافظة الكرك الأردنية، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة آخرين. وأعلنت السلطات الأردنية اعتقال ثلاثة مشتبه بهم على خلفية القضية، فيما تحدثت عمّان عن معلومات تربط التهديدات الأمنية بمواقع في جنوب سوريا.
وأكد مصدر خاص لـِ "المدن"، مقتل نحو عشرين عنصراً من داعش في الضربات، لكن دمشق لم تعلن هذه الحصيلة، خشية أن يؤدي الإعلان عنها إلى تقديم مبررات إضافية لتدخلات عسكرية خارجية تحت عنوان مواجهة التنظيمات الإرهابية وتبرير عمليات عسكرية إضافية لدول الجوار.
وتعكس هذه المعطيات معضلة تواجه الدولة السورية: فهي مطالبة بإثبات قدرتها على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود، لكنها لا تريد أن يتحول وجود عناصر متطرفة في بعض المناطق إلى أساس لانتزاع المبادرة الأمنية من مؤسساتها.
ومع ذلك، فإن عدم الإعلان عن حصيلة عسكرية لا يحسم وحده دوافع القرار السوري، كما أن التقديرات الأردنية تحتاج إلى التمييز بين المعلومات التي أعلنتها عمّان وما يمكن التحقق منه بصورة مستقلة. وتبقى معرفة هويات القتلى، وصلاتهم التنظيمية، وطبيعة المواقع المستهدفة، عناصر أساسية لفهم نتائج العملية بدقة.
الضحايا المدنيون أمام اختبار المساءلة
في الداخل، أعلنت جهات سورية مقتل سبعة مدنيين جراء الغارات في ريفي درعا والسويداء، بينهم أطفال وامرأة، فيما تحدثت تقارير عن أضرار لحقت بمنازل وممتلكات مدنية. وأعربت الحكومة الأردنية عن أسفها لسقوط ضحايا، مؤكدة أن العملية استهدفت مواقع للتنظيم.
ولا يلغي وجود هدف معلن لمكافحة الإرهاب ضرورة التحقيق في الخسائر المدنية، وتحديد طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف، ومدى كفاية المعلومات التي استندت إليها العملية والاحتياطات المتخذة لحماية السكان.
ومن شأن التنسيق الأمني المشترك أن يوفر إطاراً لمعالجة هذه المسائل، عبر تبادل المعلومات والتحقق من الوقائع وتحديد المسؤوليات، بدلاً من ترك الحادثة رهينة روايات متعارضة. فحماية المدنيين ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه في سياق العمليات العسكرية، بل شرط أساسي لاستدامة أي تعاون أمني.
الجنوب السوري وحسابات إسرائيل
ولا يمكن فصل التطورات عن حساسية الجنوب السوري، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان وتداخل الملفات الأمنية والعسكرية في المنطقة. لكن لا تتوافر أدلة علنية تثبت مشاركة إسرائيل في التخطيط للغارات الأردنية أو توجيهها.
ومع ذلك، فإن تراجع الثقة بين دمشق وعمّان قد يخلق بيئة تستفيد منها أطراف إقليمية تسعى إلى توسيع هامش حركتها في الجنوب السوري. فكلما انشغل البلدان بخلافات حول التنسيق والسيادة، ازدادت صعوبة بناء ترتيبات مستقرة لضبط الحدود ومواجهة التهديدات المشتركة.
- المدن -






