Mar 23, 2026 6:30 PMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

وجهة نظر: "تعبيد الطريق إلى الدولة"

كتب كتب العميد منير عقيقي:

في خبرٍ نشرته وكالة الأنباء المركزية، جرى التأكيد على لسان رئيسي الجمهورية ومجلس النواب على "وجوب اتخاذ الأجهزة الأمنية الإجراءات اللازمة لحماية السلم الأهلي". وهو موقفٌ يبدو، في ظاهره، امتداداً بديهياً لوظيفة الدولة في صون الاستقرار، لكنه يطرح، في عمقه، إشكاليةً تتجاوز البُعد الأمني التقني إلى سؤالٍ سياسي - سوسيولوجي أوسع: من يحمي السلم الأهلي فعلياً، وكيف؟
لا شكّ أنّ الجيش والأجهزة الأمنية يؤدّون مهامهم بكفاءة عالية، ويواصلون، رغم الظروف المعيشية القاسية التي يرزحون تحتها، القيام بدورهم في حماية الاستقرار. غير أنّ اختزال مسألة السلم الأهلي في الأداء الأمني وحده، يُغفِل البنية العميقة للأزمة، ويُحمّل المؤسّسات الأمنية ما يتجاوز حدود مهماتها الطبيعية.
السلم الأهلي، في جوهره، ليس نتاج الإجراءات الأمنية بقدر ما هو نتيجة توازنات سياسية وثقافة عامة وتربية مدنية ومسؤولية خطاب. من هنا، تبدو الدعوة الفعلية موجّهة، قبل أي جهة أخرى، إلى الطبقة السياسية بكل تفرّعاتها: القادة المدنيون والروحيون، رؤساء الأحزاب، القوى النافذة، والفاعلون في الحقل العام. إذ أنّ جزءاً كبيراً من التوتر لا ينشأ من فراغ، بل يتغذّى من خطابات تتجاوز حدود حرية التعبير المكفولة دستورياً، لتلامس التحريض أو التهديد المباشر للسلم الأهلي.
إن إعادة الاعتبار لفكرة الدولة تمرّ أولاً عبر ضبط هذا الخطاب، وفصل الممارسة السياسية عن منطق التعبئة والانقسام. كما تستدعي، بالضرورة، رفع الغطاء السياسي عن أي فرد أو جهة تتجاوز الدستور والميثاق الوطني، بحيث لا تبقى المحاسبة رهينة التوازنات أو الولاءات.
عندها فقط، يستعيد القانون معناه الفعلي، ويتحوّل القضاء إلى سلطةٍ فاعلة تتحرّك تلقائياً ضمن صلاحياتها، مدعومةً بأجهزة إنفاذ القانون، لا كبديلٍ عن السياسة، بل كامتدادٍ لدولةٍ قرّرت أن تحكم نفسها بالقانون لا بالاستثناء.
إنّ حماية السلم الأهلي لا تبدأ عند الحواجز الأمنية، بل عند حدود الخطاب والمسؤولية. وهنا تحديداً، تُعبَّد الطريق إلى الدولة.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o