المركزية- لم يعد السؤال المطروح في الكواليس الدولية يتعلق بمصير قوة "اليونيفيل" فحسب، بل بما إذا كانت نهاية مهمتها ستكون بداية لمرحلة أمنية وسياسية جديدة في لبنان. فمع إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إعادة صياغة قواعد اللعبة اللبنانية، يتقدم اسم سوريا مجددًا إلى واجهة المشهد، ليس باعتبارها طرفًا في الماضي اللبناني، بل بوصفها شريكًا محتملاً في ترتيبات ما بعد الحرب.
وبين رغبة أميركية في منح دمشق دورًا يساعد على نزع سلاح "حزب الله"، وتحفظات يبديها الرئيس السوري أحمد الشرع، يبرز السؤال: كيف يمكن لسوريا ان تساعد في لبنان من دون عودة حقبة الوصاية والنفوذ والتسبب بمزيد من توتير الاستقرار في الداخل السوري؟
يتزامن هذا التساؤل مع اقتراب انتهاء ولاية اليونيفيل، وسط رفض أميركي وإسرائيلي للتجديد لها بصيغتها الحالية، اذ ان واشنطن ترى منذ سنوات، أن القوة الدولية لم تعد تؤدي المهمة التي أنشئت من أجلها، بل تحولت إلى قوة عاجزة عن منع نشاط حزب الله جنوب الليطاني، رغم التمويل الكبير الذي تقدمه الولايات المتحدة لها.
وفي مقابل هذا التوجه، يطرح الاتحاد الأوروبي تصورًا مختلفًا يقوم على إنشاء قوة دولية جديدة، تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة لكن بصلاحيات أوسع قد تصل إلى الفصل السابع، مع توسيع نطاق انتشارها ليشمل، إضافة إلى الجنوب، الحدود اللبنانية-السورية، بالتنسيق الكامل مع الجيش اللبناني ودعم انتشاره على كامل الأراضي اللبنانية.
ويتردد، بحسب ما تفيد مصادر دبلوماسية " المركزية" ، أن هذا التصور يتضمن مشاركة قوات عربية، من بينها قوات سورية، بحيث تتولى إلى جانب الجيش اللبناني مهمة ضبط الحدود، ومكافحة تهريب الأسلحة والكبتاغون وسائر عمليات التهريب باتجاه الدول العربية، في إطار رؤية تعتبر أن أمن الحدود اللبنانية لم يعد منفصلًا عن الأمن الإقليمي.
وتكتسب المشاركة السورية، إذا ما طُرحت عمليًا، بعدًا سياسيًا يتجاوز الجانب الأمني. فبحسب المصادر، تنظر إدارة ترامب إلى أي دور سوري في لبنان من زاوية المساهمة في استكمال مشروع حصر السلاح بيد الدولة، باعتبار أن استمرار وجود سلاح الحزب يشكل، العقبة الأساسية أمام قيام دولة لبنانية قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها.
إلا أن ترجمة هذه الرؤية تصطدم بجملة تعقيدات. فدمشق، التي أعادت ترتيب أولوياتها الداخلية والإقليمية، لا تبدو متحمسة للعودة إلى أي دور قد يفسر بأنه استعادة للوصاية السابقة على لبنان، كما أن الرئيس أحمد الشرع يدرك حساسية أي انتشار سوري داخل الأراضي اللبنانية، سواء على المستوى الداخلي السوري أو اللبناني، في ظل الانقسام السياسي الذي لا يزال يحيط بالعلاقة بين البلدين.
الا ان المصادر تعتبر أن المشاركة السورية، إذا حصلت، لن تكون بصيغة عسكرية مستقلة، بل ضمن قوة متعددة الجنسيات وتحت مظلة أممية، بما يخفف من الاعتراضات السياسية ويمنحها شرعية دولية، مع حصر مهمتها في دعم الجيش اللبناني وضبط الحدود وتنفيذ الترتيبات الأمنية التي قد تواكب أي اتفاقات سلام أو تفاهمات إقليمية مقبلة.
ملف اليونيفيل لم يعد اذاً مجرد نقاش تقني حول تمديد ولايتها، بل أصبح جزءًا من إعادة هندسة المشهد الأمني في لبنان والمنطقة. وإذا استمر اصرار الإدارة الأميركية على إسناد دور لسوريا في هذه المرحلة، فإنه لن يكون هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لتسهيل بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وضبط الحدود، وفصل الساحة اللبنانية تدريجيًا عن الصراع الإيراني، تمهيدًا لمرحلة جديدة تقوم على حصرية السلاح بيد الدولة وتنفيذ أي تفاهمات إقليمية قد ترى النور خلال المرحلة المقبلة.






