5:52 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

هل نحن بحاجة إلى اتّفاق إطار لبناني - لبناني؟

قد لا يكون تعبير «الإتّفاق الإطار « مألوفاً في الأدبيات السياسية اللبنانية التي نهلت مفرداتها من جولات الإقتتال العسكرية على المحاور الجبلية أو على خطوط التماس في بيروت وفي داخلها، أو من صراعات سياسية دائمة على تقاسم السلطة غالباً ما اختبأت خلف عناوين متصلة ظاهرياً بأسلوب الصراع مع إسرائيل أو بإصلاح سياسي منشود.

ما أفضى إليه موقف الحرس الثوري من التفاوض المباشر بين لبنان واسرائيل برعاية أميركية ومن إتّفاق الإطار الذي تمّ التوقيع عليه في 26 من الشهر المنصرم وجد حاضنته في لبنان لدى الرئيس نبيه بري وحزب الله، حيث تحوّلت المواجهة مع الإتفاق إلى ما يشبه استدراج العروض للإنضمام إلى قافلة رافضي التفاوض ليس على خلفية تقديم البدائل الأفضل من الإطار المعلن، بل على خلفية امتلاك شجاعة الإقدام على التمرد على وصاية مزمنة تحكمت بالقرار السياسي والأمني واستقلالية المؤسسات الدستورية.

انضم الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من منصة المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز إلى المعترضين على الاتّفاق، ولكن ليس من قبيل رفض مبدأ التفاوض المباشر بل من قبيل تفسير بعض المفاهيم التقنية الواردة فيه خارج مدلولاتها العملية (مسألتيّ إعادة الانتشار والإنسحاب). لكن الملفت كان في تجاهل حقيقة الموقف الميداني وما يفرضه في التفاوض، والتغاضي عن مسألة حصرية السلاح ـــــ التي كان جنبلاط سباقاً في المطالبة بها ــــــ واعتبارها جزءاً من التوازنات الداخلية وليس من معادلة إقليمية فرضتها طهران على لبنان والمنطقة. جنبلاط عزى ما ورد في الإتّفاق إلى «تسليم مصير البلاد إلى جماعاتٍ لا خبرة لها في السياسة الدولية والدبلوماسية وهمّها السلطة فقط».

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة إزاء ذلك يكمن في التعرف إلى أصحاب الخبرة في السياسة الدولية والدبلوماسية الذين كان يجب أن يعهد إليهم بالتفاوض، وهل سبق أن اختبروا في مواقف مماثلة وقدموا ما يستحق من الأداء لكي تتم العودة إليهم؟ إن استعراضاً سريعاً وليس متسرعاً لجملة من الاتفاقات الإطارية أو النهائية التي عقدها لبنان تفضي إلى وضع اليد على مكامن الخلل التي تنخر المستوى السياسي برمّته في لبنان. فهل يمكن اعتبار أن من صاغ إتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي لم يؤد إلى إطلاق عجلة المزايدات للتنقيب عن الغاز، بل أدى إلى تعليق لبنانية رأس الناقورة وربما خسارتها إلى الأبد، أو أن من صاغ اتّفاق 27 نوفمبر 2024 هم من أصحاب الخبرة في السياسة الدولية ومن أصحاب الباع الطويلة في الدبلوماسية؟ فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تؤد هذه الإتّفاقات الغرض منها؟

أليس من شاركوا وهللوا لهذه الإتفاقات هم من صاغ كل السياسات العامة في لبنان، وهم من أخفقوا إلى أبعد حدود الإخفاق بل ثبت أنهم المسؤولون، بل هم المكوّن الأساس لكل الفشل على المستوى الوطني؟ أليس هؤلاء هم المسؤولون عن الدين العام وأموال المودعين وفضائح الكهرباء وفشل القضاء في التحقيق بجريمة تفجير المرفأ؟ أليسوا هم المسؤولون عن تسيب الحدود وتبييض الأموال وتهريب المخدرات؟ أليسوا هم وعبر أزلامهم من يقف خلف هذا التسيّب في القطاع العام وخلف تفشي الفساد في كل مفاصل الإدارة، وأليسوا هم من أداروا الصناديق والخدمات ومن لا زالوا يمسكون بالتعيينات تحت عنوان حماية هذا المكون الطائفي أو ذاك؟ فهل يُركن لهؤلاء في التفاوض؟ وهل ما يمكن أن يتوصلوا إليه يختلف نوعياً عن كل إخفاقاتهم السابقة؟

وبالعودة إلى ما يتقدم كأولوية على كل ما سبق، أليس اتّفاق الطائف الذي يدعو الجميع الى تطبيق بكافة مدرجاته والذي تمّ التوصل إليه منذ أكثر من ثلاثة عقود بعد حرب مدمرة، اتفاق إطار لضمان المشاركة السياسية وإنتاج السلطة وانتظام عمل المؤسسات واحترام استقلاليتها وتعاونها؟ فلماذا لم تنجح هذه الطبقة السياسية المفعمة بالخبرة في السياسة الدولية والمحلية في تطبيقه!؟

إن قول جنبلاط بــ «أن اتّفاق الإطار يضع لبنان أمام معادلة خطيرة: «إما الدخول في مواجهة داخلية حول السلاح قد تهدد السلم الأهلي، وإما القبول ببقاء الإحتلال والتهجير والإعتداءات تحت عنوان عدم اكتمال شروط التنفيذ» هو إجتزاء وإقصاء للمقاربة الحقيقية لتنفيذه، فنجاح إتّفاق الإطار يقاس بمقدار استجابته لأولويات المصلحة الوطنية في ظروف موضوعية دولية ومحلية وإقليمية معروفة، إن الاتفاق الإطار هو وليد تلك الظروف وليس صانعاً لها.

إن الاتفاق الإطار الموضوع على مشرحة الانقسام السياسي وتقاسم النفوذ هو اختبار للقدرة على صياغة معادلة تعكس فهماً موحداً للدستور كمرجعية لاتخاذ القرار، وللسيادة الوطنية ببعديها السياسي والأمني على كامل الجغرافيا الوطنية ـــــ بما يتضمن دور القوات المسلحة الوطنية ــــــــ وهي اختبار لاحترام الشرعية وللمناعة الوطنية إزاء التدخل الخارجي، كما هي اختبار لقدرتنا على الخروج من المتاجرة السياسية الرخيصة والانتقال من منطق المكوّنات إلى منطق المواطنة، وهي بالتوازي مع كل ذلك إدراك واقعي لحقيقة المخاطر المحدقة بلبنان بعيداً عن ترف المواقف الشعبوية التي لن تضيف إلا المزيد من القتل والدمار.

إن الإرتباك المستمر حول تطبيق المناطق التجريبية لا يبدو أنه يعكس خلافاً تقنياً في وجهات النظر حول إجراءات وتقييدات وأولويات ميدانية، بقدر ما يعكس تباعداً في الرؤية «المسماة وطنية»، بما يؤكد أننا أشد حاجة إلى اتّفاق إطار بين اللبنانيين يضبط مفاهيم السلطة في ظلّ الدستور والسيادة والمواطنة والقدرة على الإنتقال من طور البداوة السياسية إلى الحوكمة، قبل إتّفاق الإطار مع إسرائيل لاستعادة الأراضي المحتلة.

العميد الركن خالد حمااده- اللواء

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o