أظهر الرئيس السوري أحمد الشرع بُعداً مختلفاً للعلاقة السورية مع لبنان مقارنةً بكل من سبقوه في حكم دمشق. فجاءت مقاربته لدينامية العلاقة وديمومتها بين الدولتين والشعبين مخالفةً تماماً لكل الديناميات السابقة التي أظهرت، في أغلب محطاتها، توجهاً سورياً يحاول دائماً القفز فوق فكرة استقلال لبنان.
عملياً، خالف الشرع كل الرواسب التي تركها اليمين السوري بأغلب فروعه، من البرجوازية السياسية إلى العسكرتارية، وصولاً إلى القوة العقائدية التي مثّل حزب «البعث الاشتراكي» ذروتها.
حسم الشرع أمره، وحدد شكل العلاقة من دولة إلى دولة، ففرض مسافة بين الدولة اللبنانية وجماعاتها الطائفية، وبين الجماعات الطائفية وأحزابها الحاكمة، وبين الأحزاب الحاكمة والمسلحة وطبيعتها العقائدية، ومشروعاتها الداخلية والخارجية التي باتت ضرراً عليها في الداخل، وعقدة في علاقتها مع الخارج.
هنا، فرّق الرئيس الشرع، سياسياً واجتماعياً، في كلامه بين الجماعة الشيعية بوصفها طائفة، و«حزب الله» بوصفه فاعلاً سياسياً وعسكرياً وعقائدياً، ما يعني أنه فتح باب المصالحة مع الشيعة اللبنانيين، مع إبقاء العلاقة مع «حزب الله» في إطار الصلح المشروط، أو التهدئة المشروطة، أكثر من كونها مصالحةً مكتملة.
في مقابلته مع الأستاذ طوني خليفة لقناة «المشهد»، حدد الشرع المساحة الفاصلة بين الصلح والمصالحة، وإذا كانت الأخيرة لها خصوصية شيعية، فواضحةٌ دعوته إلى علاقة طبيعية معهم، والمصالحة معهم، وهو ما يتجاوز وقف الخصومة إلى محاولة تبديد الهواجس وفتح صفحة جديدة. أما ما يخص «حزب الله»، فقد كانت مقاربته تقف عند حدود الصلح، أي تنظيم العلاقة وعدم الانجرار إلى صراع مفتوح، ما يجعلها أقرب إلى التهدئة منها إلى المصالحة.
قواعد الصلح واضحة، وهي رفض دمشق التدخل في لبنان، وهي سابقة سياسية وأخلاقية تُسجل للشرع في لحظة دولية وإقليمية حساسة. فالشرع، بنفيه أي نوايا سورية للتدخل في لبنان أو ضد «حزب الله»، يُعيد إلى الذاكرة ما فعله حافظ الأسد سنة 1976، عندما دخل إلى لبنان في مهمتين: الأولى إسرائيلية لضرب المقاومة الفلسطينية، والثانية أميركية لضرب الحركة الوطنية. وبعد خمسين عاماً على فعل الأسد الأب، وفي ظل حرب إسرائيلية - أميركية على المنطقة، رفض أحمد الشرع القيام بما قام به الأسد الأب خدمةً لإسرائيل وأميركا، رغم الجرح السوري، وما ارتكبه هذا المحور بحق ثورته وشعبه.
هذا الموقف التأسيسي تجاه لبنان وتجاه الجماعة الشيعية يفرض على «حزب الله» مراجعةً حقيقيةً لموقفه ودوره في سوريا، فالاعتراف بالخطأ فضيلة.
تاريخياً، منذ استقلال البلدين، أخطأ السوريون في فهم لبنان، دولةً وشعباً، وفي المقابل أخطأ اللبنانيون في تقدير علاقتهم مع سوريا، دولةً وجماعات طائفيةً أو سياسيةً. وبعد الثورة، شكّل تدخل الحزب ضدها ذاكرةً سلبيةً تحتاج إلى عقود لتجاوزها، فتنقية الذاكرة تسبق، حتماً، الجلوس إلى طاولة التفاوض، منعاً لتكرار الماضي.
وعليه، ليس بالضرورة أن تتضمن المصالحة صلحاً، كما أنه ليس كل صلح يؤدي إلى مصالحة. فالصلح قد يوقف الحرب ولكن لا ينهي الأزمة، أما المصالحة فتسعى إلى إزالة آثارها وبناء علاقة جديدة بين الأطراف، وهذا يحتاج إلى جهد طويل.
مصطفى فحص - الشرق الأوسط






