جوانا فرحات
المركزية – بين العفو عن جريمة الدخول إلى إسرائيل واكتساب جنسيتها والعفو عن الجرائم المرتبطة بالعمل العسكري أو الأمني مع إسرائيل حصل ما كان متوقعًا. العفو، لكن ليس عن كل المبعدين إلى إسرائيل بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.
الصيغة التي أقرها مجلس النواب أمس في الجلسة التشريعية أعادت إدخال القانون الرقم 194 الصادر في 18 تشرين الثاني 2011، والمتعلق بمعالجة أوضاع اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل، ضمن معالجة العفو العام، بحيث يصبح الحكم المتعلق بالفئة المدنية قابلاً للتنفيذ من دون انتظار المراسيم التطبيقية التي كانت مطلوبة منذ العام 2011. وعليه ما الذي تغيّر في قانون الـ2026 مقارنة بقانون 2011؟
الخبير الدستوري المحامي سعيد مالك يشرح لـ"المركزية" التطور الجديد قانونًا ويقول" من الثابت والأكيد أن قانون العفو العام الذي صدر أمس استثنى من أحكامه جرائم الخيانة والتجسس والجرائم المتعلقة بالصلات غير المشروعة بالعدو عملا بأحكام الفقرة 4 من المادة الثانية منه. وعملاً بالقانون رقم 194 الصادر بتاريخ 18/11/2011 استثنى المشمولين بالفقرة الثانية من المادة الأولى من الذين يعتبرون مستفيدين حكما من قانون العفو الحالي والمقصود بالمشمولين بالفقرة 2 من المادة الأولى من القانون رقم 194/2011 اللبنانيون الذين لم ينضووا عسكريا وأمنيا بمن فيهم عائلات المواطنين المذكورين في البند 1 أي الزوجة والأولاد والأزواج الذين لجأوا إلى الأراضي المحتلة فيسمح لهم بالعودة ضمن آليات تطبيقية يصار إلى إنجازها من قبل الحكومة".
وحول الآلية القانونية التي ستطبق على العائدين يوضح مالك أنه لا توجد أي شروط. "فالعودة باتت ممكنة ومتاحة شرط أن لا يكون هناك أي ملاحقة أو محاكمة بحقهم على الإطلاق من أي نوع ولأية جهة" .
أبرز الشروط التي أثارت نقاشاً سياسياً وقانونياً هي مسألة الجنسية الإسرائيلية. فالنص يربط العودة إلى لبنان بالنسبة إلى من اكتسب الجنسية الإسرائيلية بالتنازل عنها أو التخلي عنها قبل العودة . وهذا يعني عملياً أن العفو لا يمنح الشخص حق العودة مع الاحتفاظ بوضع قانوني إسرائيلي مزدوج، بل يجعل العودة مرتبطة بتسوية وضع الجنسية الإسرائيلية أولا. علما أن شرط التخلي عن الجنسية الإسرائيلية لا يندرج في جوهر المادة الأصلية من قانون 194/2011، لذلك ينبغي التمييز بين نص القانون القديم وبين شروط وإجراءات تطبيق العودة في الوضع الراهن.
وفي السياق، يرجح مالك "أن هناك أموراً إجرائية تنظمها الحكومة وتفرض بموجبها التنازل عن الجنسية وجواز السفر الإسرائيليين خصوصاً وأن حالة العداء ما زالت قائمة حتى تاريخه بين لبنان وإسرائيل".
وهنا تظهر إشكالية عملية: كيف ستتم إثبات عملية التخلي عن الجنسية؟ وما هي المستندات المطلوبة؟ ومن سيتولى التحقق منها؟ وكيف ستتعامل الدولة اللبنانية مع حالات الأشخاص الذين ولدوا في إسرائيل، أو تزوجوا من إسرائيليين، أو أصبح أولادهم يحملون الجنسية الإسرائيلية؟ أسئلة ليست تفصيلاً خصوصاً أن بعض العائلات أمضت أكثر من ربع قرن في إسرائيل، وبالتالي فإن الجيل الأصغر وُلد ونشأ هناك ولم يعش في لبنان أصلاً.
ثمة من يربط اليوم بين القانون الصادر عام 2011 وقانون الـ2026 ، وقد يكون مصيباً في بعض النقاط لكن في التفاصيل تبرز الفوارق. فالقانون 194/2011 ربط تنفيذ آلية العودة بالنسبة إلى الفئة غير العسكرية بمراسيم تطبيقية. وبقي الملف عالقاً حتى يوم أمس من خلال الصيغة التي أقرها قانون 2026 بحيث أصبحت معالجة الفئة المشمولة بالقانون 194 جزءاً من قانون العفو العام، بما يسمح بفتح باب العودة من الناحية القانونية من دون بقاء المسألة معلقة بمراسيم تطبيقية تصدر عن الحكومة. وعليه بات حق عودة المبعدين الذي بقي معلقاً منذ العام 2011 قابلاً للتنفيذ.لأن القانون الحالي لم ينص على أي ضرورة لأي إصدار مراسيم تطبيقية أو تنفيذية تصدر عن الحكومة" يختم المحامي مالك.
حتى الآن، لا توجد إحصاءات رسمية تحدد عدد المستفيدين من قانون العفو العام تحديداً. فالرقم المتداول يقارب 4 آلاف لبناني، لكنه غير رسمي ولا يعني أن جميع هؤلاء يستفيدون تلقائياً من العفو أو أنهم جميعاً سيعودون إلى لبنان. "فالمبعد" الذي عاش 26 عاما في إسرائيل يحتاج إلى الوقت لاستكمال الإجراءات المتعلقة بوضعه القانوني هناك، ثم إثبات استيفائه شروط العودة وفق القانون اللبناني.
وبالتالي، فإن التطور التشريعي لا يعني فتح باب العودة أمام جميع من غادروا إلى إسرائيل، ولا يعني العفو عن كل من تعامل مع إسرائيل.. فهل يطوي العهد الجديد بعد أكثر من ربع قرن إحدى صفحات الحرب والانقسام التي خلفتها حروب الآخرين على أرضه؟
الجواب في عيون أول العائدين إلى أرض الجنوب وبيته الذي "خرج من عتبته قبل 26 عاما بملابس النوم ولم يدرك في حينه أنه سيتحول إلى "عميل" والدولة آنذاك وقفت تتفرّج عليه وصولا إلى إنكاره.






