المشهد الداخلي مضبوط على مجموعة تحدّيات، منها ما هو متصّل بأجندة العمل الحكومي التي تُحيطها وعود متجدّدة بإعادة تحريك الملفات الملحّة وتعبيد مسار الإصلاحات الموعودة بإنجازات ملموسة، وفي موازاة ذلك، تزخيم عجلة الإتصالات مع الدول الصديقة والشقيقة لتوفير التمويل اللازم لملف الإعمار. ومنها ما تعتريه حساسية وتباينات خلافية حادة حوله، كملف السلاح وكيفية حصره بيَد الدولة وحدها، ومنها أيضاً ما تلوح في أفقه مخاطر كبرى ينذر بها تزايد التسريبات والأحاديث في الآونة الأخيرة عن توجّه لدى بعض الدول الكبرى، ولاسيما لدى الولايات المتحدة الأميركية، لعدم التمديد لمهمّة قوات «اليونيفيل» في الجنوب.
أيّ وقائع ستُفرَض؟
على أنّه في أفق هذه التحدّيات يلوح ما يبدو أنّه انقلاب في الأولويات، يتقدّم فيه ملف التمديد لمهمّة «اليونيفيل» على ملف الإصلاحات الداخلية الذي يعتري مساره أصلاً، بطء حكومي في الخطوات والإجراءات المطلوبة، كذلك يتقدّم على ملف السلاح، سواء بشقّه المتعلق بسلاح «حزب الله» الذي طغى تكثيف الاعتداءات الإسرائيلية وتوسيع نطاقها على المطالبات بنزعه، أو في شقه الفلسطيني الذي تؤكّد معلومات موثوقة لـ«الجمهورية» أنّه أصطدم بتعقيدات مانعة لسحبه، ولعلّ أبرزها الواقع المعقّد في المخيّمات، والتباينات الفلسطينية – الفلسطينية، التي أكّدت الإتصالات الأخيرة التي جرت حول هذا الملف، استحالة اقتراب الفصائل الفلسطينية المتنوّعة من موقف واحد قابل لتسليم السلاح، وعزّزت المخاوف من توترات أمنية مفتعلة في كل المخيّمات، ما قد يخلق واقعاً قابلاً للتفلّت والخروج عن السيطرة.
وضمن هذا السياق، أكّد مصدر أمني لـ«الجمهورية» أنّ «هذا الملف حساس جداً، ومخاطره كبرى، خصوصاً أنّ الجهة الفلسطينية الدافعة إلى سحب سلاح الفصائل الفلسطينية في المخيّمات (المقصود هنا السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس)، ليست هي الممسكة بالمخيّمات، بل هي فصيل من بين الفصائل الموجودة، يقف على خصومة وعداوة مع الفصائل الأخرى، فضلاً عن أنّ لكلّ مخيّم خصوصيّته، بعض المخيّمات تُشكّل خليطاً ما بين الفصائل الفلسطينية، الإسلاميِّين، المتشدّدين، التكفيريِّين، والخارجين على القانون، والمرتكبين واللصوص والهاربين من العدالة والمهرّبين وتجار المخدّرات، وكل هؤلاء مسلحون ولهم امتداداتهم في المخيّمات وخارجها، والقول بتسليمهم السلاح للسلطة اللبنانية كلام سهل جداً، إنّما التطبيق فصعب جداً، وهو ما تيقّنت منه بعض المستويات المسؤولة في الدولة».
ولفت المصدر إلى أنّ «الدولة اللبنانية التي من الطبيعي جداً أن تسعى جهدها لمنع وجود أي سلاح خارج إطار الدولة، مدركة لحساسية هذا الأمر، بالتالي ليست في وارد القيام بأي خطوة متسرّعة أو أي دعسة ناقصة في هذا السبيل، خصوصاً أنّ الأجهزة الأمنية على اختلافها لا تخرج من حساباتها احتمال لجوء بعض الأطراف والفصائل الفلسطينية إلى تفجير المخيّمات من داخلها، ما قد يفرض وقائع أمنية لا ترى الدولة اللبنانية مصلحة في حدوثها».
ووفق معلومات موثوقة لـ«الجمهورية»، فإنّ «مسؤولاً كبيراً قابل حماسة بعض المسؤولين اللبنانيِّين لما طرحه الرئيس محمود عباس حول نزع السلاح الفلسطيني واستسهالهم لتطبيقه، بإثارة جملة من التساؤلات أولاً، حول ما يرمي إليه محمود عباس من طرح هذا الأمر في هذا التوقيت بالذات، والغاية منه، ولأي جهة خارجية يُريد أن يُسلّف هذه الورقة؟ وثانياً حول كيفية تطبيقه، وما إذا كانت هناك قدرة أصلاً لتطبيق أمر حساس لا يملك محمود عباس كلمة الفصل والحسم فيه؟ ونُقل عن المسؤول الكبير قوله إنّه يخشى من أن تكون خلف هذا الأمر محاولة غير بريئة لزجّ الجيش اللبناني بحرب مفتوحة في المخيّمات؟».
بحسب مصادر المعلومات، فإنّ رئيس السلطة الفلسطينية سمع كلاماً مباشراً بهذا المعنى من مسؤولين كبار خالفوا اندفاعته نحو أمر تشوبه مخاطر ومحاذير على الأمن والاستقرار ليس في المخيّمات فقط بل على خارجها.
مصير «اليونيفيل»
على المقلب الجنوبي، مع اقتراب انتهاء فترة انتداب قوات «اليونيفيل» في آب المقبل، طفت على السطح تساؤلات حول مصير هذه القوات في الجنوب، وسط مخاوف جدّية على القرار 1701، ومن وقائع غير محمودة في المنطقة الجنوبية تمهّد لها التسريبات عن رفض أميركي التمديد لمهمّة هذه القوات.
واللافت في هذا السياق ما روّج له الإعلام الإسرائيلي في الساعات الأخيرة بأنّ واشنطن قرّرت إنهاء عمل قوة «اليونيفيل» في جنوب لبنان بعد 47 عاماً على انتدابها في هذه المنطقة، وأنّ إسرائيل انضمّت إلى واشنطن في هذا القرار. على أن يُتخَذ القرار النهائي في هذا الشأن خلال شهر آب المقبل.
وذكرت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» نقلاً عن مصادر أميركية، أنّ الولايات المتحدة تدرس إنهاء دعمها لقوات الأمم المتحدة الموقتة في جنوب لبنان «اليونيفيل». مشيرةً إلى أنّ «الولايات المتحدة لم تتخذ قراراً بعد بشأن الدعم المستقبلي لقوات «اليونيفيل»، لكنّها تريد إصلاحات كبرى، وهو ما قد يعني إنهاء الدعم». وأشارت الصحيفة إلى أنّ تفويض قوات «اليونيفيل» يُمدَّد مرّة واحدة في السنة من خلال قرار من مجلس الأمن الدولي، ويمكن للولايات المتحدة استخدام حق النقض ضدّ القرار المقبل، والذي من المقرّر أن يصدر في آب.
ووفقاً لصحيفة «جيروزاليم بوست» فإنّ الولايات المتحدة قرّرت بالفعل التصويت ضدّ تمديد تفويض قوات «اليونيفيل». وأضافت: «اتفقت إسرائيل والولايات المتحدة على ضرورة وقف عمليات قوات اليونيفيل في جنوب لبنان».
إشارات أممية
على رغم من أنّ هذا الأمر لا يزال في الإطار الإعلامي الذي لم يتأكّد رسمياً حتى الآن، فإنّ الأجواء مشوبة بقلق بالغ حيال هذا الأمر، إذ كشف مصدر ديبلوماسي لـ«الجمهورية» عن «إشارات أممية تتسمّ بشيء من الجدّية، ترجّح الفيتو الأميركي على تمديد مهمّة «اليونيفيل» في جنوب لبنان. ونُسِبَ إلى أحد كبار المسؤولين الأمميِّين مخاوف كبرى من أنّ عدم التمديد لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان، من شأنه أن يُعرّض المنطقة لوقائع وسيناريوهات دراماتيكية انطلاقاً من جنوب لبنان».
وبمعزل عن هذه المستجدات وما يُحيط بها من مخاوف على مصير «اليونيفيل»، فإنّ لبنان الرسمي على تمسّكه بهذه القوات، ورغبته في تمديد مهمّتها في ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة الجنوبية، بالإضافة إلى أنّ هذه القوات تُشكّل إحدى مقتضيات القرار 1701. وهو ما أكّد عليه في جلسة مجلس الوزراء في نيسان الماضي. فيما خالف مرجع كبير هذه المخاوف والمناخ التشاؤمي الذي يضخ حيال هذا الأمر، وأبلغ إلى «الجمهورية» قوله إنّه لا يشارك القلقين من احتمال عدم التمديد لـ«اليونيفيل»، لأنّ ما يحصل الآن هو نفسه سبق أن حصل عشية التمديد السابق لهذه القوات، بالتالي لا يخرج الأمر عن سياق الضغط لتغيير قواعد عمل هذه القوات وابتزاز لبنان في موضوع حصر السلاح، ولاسيما سلاح «حزب الله»، وأمر طبيعي أن تسعى واشنطن إلى هذا الأمر بشراكة كاملة مع إسرائيل، وهو ما حصل بحذافيره قبل التمديد السابق.
وأضاف المرجع: «إنّ عدم التجديد لليونيفيل، إنْ حصل، أمر خطير جداً لا ينسف القرار 1701 فحسب، بل يؤدّي إلى سحب «اليونيفيل» وفتح المجال أمام واقع مجهول متعدّد المخاطر يشرّع المنطقة للاعتداءات الإسرائيلية بما قد يُدحرِج الأمور إلى مخاطر ومنزلقات حربية لا حصر لها ولا يُستبعَد أن تشهد مفاجآت غير محسوبة من جانبَي الحدود».
ولفت المرجع إلى أنّ الدول الكبرى بما فيها الولايات المتحدة تدرك ذلك، وتدرك أيضاً أنّ القرار 1701 ليس حاجة لبنانية بل حاجة دولية، وتطبيقه يُشكّل عامل استقرار على جانبَي الحدود، وتبعاً لذلك فإنّ الأمر مفتوح حالياً من الآن وحتى شهر آب المقبل، على مشاورات واتصالات بين الدول وفي مجلس الأمن ولبنان. وفي خلاصتها سيُصار إلى استنساخ تجربة التمديد السابق، وخصوصاً أنّ لا مصلحة لأي طرف إقليمي أو دولي في التضحية بعنصر استقرار إقليمي ودولي، وفي خلق واقع متفجّر متفلّت من دون سقوف أو ضوابط».
وأثنى المرجع على الجهود التي تبذلها فرنسا في اتجاه التمديد لليونيفيل، واصفاً دورها بالإيجابي والداعم لموقف لبنان من مسألة التمديد وضرورته من دون أي تغيير أو تعديل في مهام «اليونيفيل»، وتشاركها في ذلك مجموعة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وحتى الموقف الأميركي على رغم من كل ما يُقال ويُروّج عن تقليص نفقات وتعديل مهام، لن يكون في نهاية الأمر خارج قرار التمديد لليونيفيل التي تُشكّل إحدى أهم مرتكزات القرار 1701، الذي ترى واشنطن ضرورة تنفيذه كاملاً بكل مندرجاته».
المصدر: الجمهورية






