أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن الدولة تواكب عودة الأهالي إلى المناطق التي يستطيعون العودة إليها، مشددًا على أن حضور الدولة يجب ألا يقتصر على الجانب الأمني، بل يشمل أيضًا الخدمات وإعادة الإعمار.
وقال سلام في حديث إلى قناة "NBN" إن المرحلة الثانية ستتضمن البدء بإعادة ترميم خمسة مستشفيات، مشيرًا إلى أن الحكومة بدأت فورًا بإعادة ترميم المدارس ودعمها، بهدف تمكين التلامذة من التسجيل والعودة إلى مدارسهم.
واضاف: "حيثما يستطيع الناس أن يعودوا، وحيثما تستطيع الدولة أن تكون موجودة، يجب أن تكون حاضرة"، مشيراً إلى أن "هذه هي الرسالة التي أردت إيصالها: الدولة تواكب هذه العودة. وتواكبها من الناحية الأمنية، ولكن ليس أمنياً فقط، بل أيضاً من ناحية الخدمات".
وتابع سلام: "إمكاناتنا محدودة، ولكنني أريد تجنيد كل ما لدينا من إمكانات لمسار العودة والتعافي والمباشرة في إعادة الإعمار في الوقت نفسه"، مضيفاً: "نحن جميعاً نعرف واقع البلد. نحتاج إلى تمويل خارجي".
وقال: "أنا لم أقل إن الحرب انتهت. لكننا نقوم بكل هذا لأنني لا أستطيع أن أقول للناس: انتظروا. لا يمكنني أن أطلب منهم البقاء في أماكن الإيواء واللجوء إلى أجل غير مسمى".
التبادلية والمرحلية
إلى ذلك، شدد سلام على أن "حدود سيادتنا هي حدودنا المعترف بها دولياً، والمطلوب هو الانسحاب الإسرائيلي الكامل إليها".
وأوضح أن "الإطار الذي نتحدث عنه قائم، بالنسبة إليّ، على مبدأين أساسيين: التبادلية والمرحلية. لكن ما ينقص هذا الإطار اليوم هو جدول زمني. أريد أن أعرف: متى ستنسحب إسرائيل؟ ومتى ستنسحب من المواقع التي تحتلها؟ يجب أن يكون هناك جدول زمني حتى يترجم هذا الإطار إلى خطوات عملية يراها الناس".
وأضاف سلام: "في المقابل، عندما نتحدث عن التبادلية، أقول بوضوح إن بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها بقواها الذاتية ليس التزاماً جديداً"، لافتاً إلى أن "حصر السلاح أمر اتفقنا عليه منذ عام 1989 في اتفاق الطائف، وأعدنا التأكيد عليه في القرارات الدولية، ثم في إعلان وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. ونحن ملتزمون به".
وتابع: "لم نربط الانسحاب الإسرائيلي بعملية جمع السلاح أو تسليم السلاح. بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها التزام أخذناه على أنفسنا نحن اللبنانيين، قبل أن يطلبه أي طرف خارجي"، مضيفاً: "لا يوجد اتفاق سري. هناك ملحق أمني وعسكري، وهذه الملاحق، وفق الأعراف، لا يتم الإعلان عن تفاصيلها دائماً بسبب طبيعتها الأمنية والعسكرية".
وسأل سلام: "فليقل لي أحد: ما هو الالتزام الجديد الذي ألزمنا أنفسنا به ولم نكن ملتزمين به سابقاً؟"، مضيفاً: "هل كنت سأكتب هذا الإطار بالطريقة نفسها لو كنت أنا من صاغه؟ بالتأكيد لا. هناك أمور كثيرة كنت سأصوغها بصورة مختلفة وأكثر وضوحاً".
وتابع: "على سبيل المثال، عندما يتحدث النص عن إعادة تموضع القوات الإسرائيلية خارج الأراضي اللبنانية، فأنا أفسّر ذلك على أنه انسحاب كامل إلى حدودنا الدولية المعترف بها"، مضيفاً: "يجب أن نفهم أيضاً طبيعة هذا الإطار. هناك من يتعامل معه وكأنه اتفاقية أو معاهدة. الاتفاقية أو المعاهدة تنتج التزامات قانونية. أما هذا، فهو إطار سياسي، أو خارطة طريق، ولا ينتج بذاته التزامات قانونية من هذا النوع".
في سياق آخر، قال سلام: "لا يمر يوم من دون أن نؤكد أن هدفنا هو الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية"، متابعاً: "نحن لا نريد أن نفتح من جديد نقاشاً بدأناه منذ عقود. لقد تحدثنا في حصر السلاح في الطائف عام 1989. لا وقت لدينا لنضيعه في مفاوضات جديدة حول أمور سبق أن اتفقنا عليها".
وتابع في حديثه: "عندما انسحبت إسرائيل عام 2000، لماذا لم يدخل الجيش اللبناني إلى كامل المناطق الحدودية؟"، مشيراً إلى أن "الجيش هو حماية لأهلنا، وحماية لحدودنا. وبالتأكيد نريد جيشاً مجهزاً ومسلحاً وقادراً على القيام بواجباته".
وأضاف سلام: "ما يهمني هو ألا يحصل أي فراغ في الجنوب بعد انتهاء مهمة اليونيفيل"، متابعاً: "سنبقى بحاجة إلى وجود قوة دولية في الجنوب. قد لا يكون اسمها اليونيفيل، وقد تكون لها صيغة أخرى لم تتحدد بعد".
وأوضح "أنني شرحت ذلك للأمين العام للأمم المتحدة. وما يهمنا هو أن تكون أي قوة تحت مظلة الأمم المتحدة وبتفويض من مجلس الأمن".
العلاقة مع إيران
إلى ذلك، قال سلام: "الرئيس الإيراني هو من طلب اللقاء، وأنا لبّيت الدعوة فوراً. كما طلبت أنا لقاءات مع رؤساء ومسؤولين آخرين، والتقينا عدداً كبيراً من الدول التي يهمنا دعمها للبنان".
وتابع: "أما بالنسبة إلى إيران، فنحن نريد أن نفتح صفحة جديدة في العلاقات بين لبنان وإيران، تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون بعضنا البعض"، متابعاً: "نحن لا نتدخل في شؤون إيران. هل رأيتم يوماً لبنان يدعم فصيلاً معارضاً في إيران، أو ينحاز إلى طرف في مواجهة طرف آخر، أو يتدخل في الخيارات السياسية للإيرانيين؟ بالتأكيد لا".
وأضاف سلام: "نريد أن تقوم العلاقة على الأساس نفسه: احترام متبادل لسيادة الدول، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وبناء العلاقات على المصالح المشتركة"، لافتاً إلى أن "هناك تاريخ طويل من العلاقات بين لبنان وإيران، ونحن نريد فتح صفحة جديدة فيها. وفي هذا الإطار، نفضّل أن تعيّن إيران سفيراً جديداً لها في لبنان، لأن ذلك يسهّل الانتقال إلى مرحلة جديدة في العلاقات".
وأوضح أنه "جددنا إقامة السفير الإيراني لفترة ثلاثة أشهر بصفته مواطناً، وليس بصفته الدبلوماسية السابقة. لكننا نريد تعيين سفير جديد إذا كنا نريد بالفعل الانتقال إلى مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين، وأنا حريص على الانتقال إلى هذه المرحلة"، قائلاً: "موضوع الطيران الايراني مسألة مختلفة، لأنه مرتبط بأمور تتعلق بسلامة المطار. سلامة المطار والمسافرين بالنسبة إليّ هي الأولوية، ونتمنى تفهّم هذا الأمر".
حالة انتظار
وفي حديثه، قال سلام: "أنا لا أقول إننا جزيرة في المتوسط. نحن بالتأكيد نتأثر بكل المتغيرات الإقليمية. وتحدثت في هذا الأمر مع رئيس الوزراء الباكستاني وغيره من المسؤولين"، مضيفاً: "لكنني لا أستطيع أن أبقى جالساً في انتظار تسوية أميركية–إيرانية. إذا حصلت، فهذا جيد. وإذا لم تحصل، هل نبقى نحن جالسين ننتظر؟".
وتابع: "لا تستطيع الدولة أن تبقى في حالة انتظار. علينا أن نتوجه إلى الجنوب وإلى جميع المناطق، وأن نتحمل مسؤولياتنا"، مشيراً إلى أنه "وفي الوقت نفسه، نقول كل يوم: يجب وقف الاعتداءات الإسرائيلية، ويجب تثبيت وقف إطلاق النار، ويجب أن تنسحب إسرائيل، ويجب أن نعمل على الإفراج عن الأسرى".
وأضاف سلام: "إن شاء الله، عندما أعود للمرة الرابعة إلى النبطية وإلى صور، أريد أن أتأكد بالعين المجردة من أن المياه عادت، والكهرباء عادت، وأن التلزيمات التي أطلقناها تُنفذ فعلاً، والمدارس تُرمم، وأهلنا يعودون ويشعرون بالأمان"، قائلاً: "بالتأكيد، من حق الناس أن تشتكي. ما نستطيع تأمينه لا يكفي أمام حجم حاجاتهم. لكن هذه هي إمكاناتنا الحالية".
وتابع: "لو كنت أريد الاقتصاص من بيئة معينة، لما كنت شخصياً أتابع كل يوم هذه العمليات والاستجابة للمطالب"، مضيفاً: "أنا أحب رمزية عقد جلسة لمجلس الوزراء في النبطية أو صور، لكنني لا أريد القيام بها الآن لكي لا تبدو المسألة فولكلورية أو رمزية فقط. أريد أولاً أن تكون هناك متغيرات حقيقية يستطيع الناس لمسها على الأرض، وأن يكون لدينا شيء فعلي نقدمه، وأن نذهب إلى هناك بنتائج".
وأضاف سلام: "أعرف أن أسعار المحروقات ارتفعت، لكن هذا لم يحصل لأن الدولة فرضت ضريبة جديدة عليها. أسعار المحروقات ارتفعت عالمياً. وهذا لا يعني أن الناس لا تعاني. نحن نعرف معاناة الناس"، لافتاً ألى أنه "في الأسابيع الماضية، زدنا رواتب القطاع العام، وأقررنا مجموعة جديدة من المساعدات ضمن إمكاناتنا. إمكاناتنا قليلة، وكل ليرة نستطيع صرفها يجب أن تذهب إلى حاجات الناس".
وأفاد بأن "هناك تضخم عالمي لا أستطيع أن أتحمل مسؤوليته، لكنني مسؤول عن أمر آخر: أن تكون هناك رقابة فعلية. لا يجوز أن ترتفع كلفة سلعة بنسبة معينة، ثم يأتي متجر أو تاجر ويرفع سعرها ضعفين أو ثلاثة مستفيداً من حاجة الناس"، مضيفاً: "
هنا يجب أن تقوم وزارة الاقتصاد وأجهزة حماية المستهلك بدورها. إذا ارتفع السعر عالمياً، فليُعكس الارتفاع الحقيقي على السعر. أما أن يستغل البعض حاجة الناس لزيادة أرباحهم بصورة غير متناسبة، فهذا غير مقبول إطلاقاً".
لا ضرائب
في سياق آخر، لفت سلام إلى أنه "لا يوجد تعديل حكومي مطروح. نحن لا نريد "تنفيساً"، بل نريد حلولاً. ليست مهمتنا أن ننفّس هنا أو هناك، بل أن نعالج المشكلات"، مضيفاً: "لا أعتقد أن تغيير الحكومة هو الذي يقدم الحلول. المشكلة الأساسية هي محدودية الإمكانات المتاحة لنا، وليست عدم قدرتنا أو عدم رغبتنا في العمل".
وقال: "انظروا إلى الموازنة التي أحيلت إلى مجلس النواب: لا تتضمن ضرائب جديدة"، موضحاً أن "هناك بعض الرسوم المحدودة، مثل الرسوم المتعلقة بالطائرات الخاصة واليخوت، وهذه بالتأكيد يجب أن تخضع لرسوم مناسبة، إضافة إلى تعديل بعض الرسوم القديمة لكي تتلاءم مع سعر الصرف الحالي".
وتابع سلام: "ضمانتنا الأساسية هي أن نلتف حول الدولة، وأن نعزز وحدتنا الداخلية، وأن نعمل على تلبية حاجات الناس، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، واستعادة سيادتنا، وبسط سلطة الدولة".
في السياق، قال: "الحوار بيني وبين الجميع ليس مقطوعاً. هناك أمور اتفقنا عليها، والمطلوب اليوم هو تنفيذها. الوحدة الوطنية تتجسد بتنفيذ ما اتفقنا عليه. لا نحتاج إلى أن نبدأ من الصفر في كل مرة. المطلوب أن يلتزم كل طرف بما تعهد به".
وأضاف: "لا أعتقد أن أحداً اليوم لديه استعداد للدخول في مغامرة جديدة أو حرب جديدة. لقد عانينا جميعاً، ونحن نتحمل الأعباء معاً. كيف نعزز وحدتنا الداخلية؟ بأن نلتف حول الدولة. هذه هي ضمانتنا الوحيدة. ضمانتي هي الدولة".
وتابع سلام: "أقول لأهلنا في الجنوب: أنتم لستم وحدكم. الدولة معكم، وإلى جانبكم، وفي خدمتكم. وهذا ما حاولنا أن نؤكده من النبطية، من خلال حضور أجهزتنا الأمنية ومؤسساتنا وخدماتنا"، مضيفاً: "ولا أريد لأي مواطن، سواء كان في الجنوب أو في عكار أو في البقاع، أن يشعر بأن الدولة تهمله أو تتغاضى عن مطالبه. الدولة يجب أن تكون إلى جانب جميع أبنائها".






