رغم إعلان الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى مذكرة تفاهم تمهّد لإنهاء الحرب وفتح مسار تفاوضي جديد، لا يزال نص الاتفاق غير منشور رسمياً. فالولايات المتحدة لم تعلن البنود التفصيلية، كما أن الوسيط الباكستاني اكتفى بالحديث عن التوصل إلى إطار أو نص متفق عليه، من دون نشر تفاصيل قانونية أو تقنية. لذلك، فإن أغلب البنود التفصيلية المتداولة تستند إلى الرواية الإيرانية، عن مذكرة من 14 بنداً، في مقابل تصريحات أميركية عامة تركز على وقف الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، والدخول في مفاوضات لاحقة مشروطة بالتحقق من التزامات طهران، واحياناً تصدر تصريحات متضاربة من الجانب الأمريكي بخصوص التفاصيل.
وقف الأعمال القتالية
تتحدث الرواية العامة للاتفاق عن وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وفتح مرحلة تهدئة تمهّد لمفاوضات أوسع. أما الرواية الإيرانية فتوسّع هذا البند ليشمل «وقفاً فورياً ودائماً للحرب على جميع الجبهات»، بما في ذلك لبنان. وقد أقر ترامب بأن الاتفاق يشمل لبنان أيضاً قبل إعلان باكستان التوصل إلى اتفاق، لكن الأمر لم يتكرر خاصة مع إعلان إسرائيل أنها لن تنسحب من المناطق التي توغلت فيها في لبنان حتى الآن.
فتح مضيق هرمز
أعلن ترامب أن مضيق هرمز سيُفتح، وأن الملاحة فيه ستكون «من دون رسوم» وبأثر فوري خلال التوقيع يوم الجمعة في جنيف. في المقابل، تقول الرواية الإيرانية إن إعادة فتح المضيق ستتم خلال 30 يوماً و«وفق ترتيبات إيرانية»، مع طرح فكرة رسوم خدمات بحرية بدلاً من رسوم العبور.
رفع الحصار البحري عن إيران
تقول الرواية الإيرانية إن المذكرة تنص على رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، وسحب القوات الأميركية من محيط إيران. ومحيط إيران يعني وفق تفسيرات محادية القوات البحرية الأمريكية التي تنفذ الحصار البحري. أما واشنطن فتتحدث عن إنهاء الحصار أو ترتيبات الملاحة ضمن إطار الاتفاق، لكنها لم تنشر نصاً تفصيلياً يحدد آلية التنفيذ أو نطاق الانسحاب.
الأصول الإيرانية المجمدة
بحسب الإعلام الإيراني، تتضمن المذكرة الإفراج عن 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة خلال فترة تفاوضية تمتد 60 يوماً، على أن يُتاح نصف المبلغ، أي 12 مليار دولار، قبل بدء المفاوضات النهائية. في المقابل، تقول الرواية الأميركية إن أي إفراج مالي أو تخفيف للعقوبات سيكون وفق مبدأ «الدفع مقابل الأداء» وبعد التحقق من تنفيذ الالتزامات. وكرر ترامب أنه لن يتم دفع أي أموال لإيران بشكل فوري.
العقوبات النفطية والبتروكيميائية
تقول الرواية الإيرانية إن الاتفاق يتضمن تعليق العقوبات على صادرات النفط والمنتجات البتروكيميائية ومشتقاتها. أما الرواية الأميركية فتضع ملف العقوبات ضمن التفاوض اللاحق، وتربطه بسلوك إيران النووي وبآليات التحقق من الالتزام بالخطوات الأولى خلال الـ 60 يوماً.
مفاوضات لمدة 60 يوماً
يبدو أن الطرفين يتفقان على أن مذكرة التفاهم ليست اتفاقاً نهائياً، بل مدخل لمفاوضات تكميلية تمتد 60 يوماً. هذه المفاوضات ستتناول البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، وآليات التنفيذ، وربما قضايا أخرى لم تُحسم بعد.
البرنامج النووي الإيراني
تقول واشنطن إن الهدف هو ضمان ألا تستخدم إيران قدراتها النووية عسكرياً، مع الحديث عن قيود طويلة الأمد على التخصيب قد تمتد إلى 15 أو 20 عاماً. أما إيران فتتحدث عن خفض نسبة التخصيب داخل أراضيها، بما يعني رفض تحويل التفاوض إلى نزع كامل للقدرة النووية أو إخراج الملف من السيادة الإيرانية. تصريحات ترابم أيضاً لم تحسم مسألة مصير اليورانيوم الإيراني، وألمح إلى ان هذا الملف سيناقش لاحقاً.
الصواريخ و"محور إيران"
لا يوجد إعلان أميركي نهائي بشأن استبعاد هذه الملفات. لكنها تظل من أبرز الهواجس الأميركية ـ الإسرائيلية. في المقابل، تقول الرواية الإيرانية إن برنامج الصواريخ ودعم جماعات حليفة جرى استبعادهما نهائياً من جدول الأعمال.
ثانياً: النقاط التي تبدو محل توافق
وجود مذكرة تفاهم أو إطار أولي
يتفق الطرفان، ومعهما الوسيط الباكستاني، على وجود اتفاق مبدئي أو إطار تفاهم يمهّد لوقف الحرب وفتح مرحلة تفاوضية جديدة.
الانتقال إلى مرحلة تفاوضية لاحقة
هناك توافق واضح على أن المذكرة ليست نهاية المسار، بل بداية مفاوضات تفصيلية تمتد نحو 60 يوماً، ستتناول الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها البرنامج النووي والعقوبات.
أهمية فتح مضيق هرمز
يتفق الطرفان على ضرورة إعادة فتح المضيق وعودة الملاحة فيه، لكنهما يختلفان حول الصيغة: واشنطن تريد فتحاً حراً ومن دون رسوم، بينما تريد طهران ترتيبات سيادية ورسوم خدمات.
وقف التصعيد العسكري
جوهر المذكرة هو وقف الحرب أو تثبيت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. هذا هو البند الأكثر رسوخاً في الروايتين، وإن اختلف الطرفان حول مدى شموله لجبهات مرتبطة بإيران، مثل لبنان.
إدخال الملف النووي في مفاوضات لاحقة
يتفق الجانبان على أن البرنامج النووي لم يُحسم في المذكرة، وأنه سيُترك للمفاوضات التالية. لكن الخلاف يبدأ عند حدود التخصيب، ومدته، ومكانه، وآليات التحقق.
ثالثاً: نقاط التباين بين الروايتين الإيرانية والأميركية
طبيعة الاتفاق
تقدّم واشنطن المذكرة كإطار أولي مشروط، يخضع للتوقيع والتنفيذ والتحقق. أما طهران فتسعى إلى تقديمها كحزمة متكاملة تتضمن مكاسب واضحة: وقف شامل للحرب، رفع حصار، تعليق عقوبات، وأموال مجمدة.
لبنان والجبهات المرتبطة بإيران
الرواية الإيرانية تشدد على أن وقف الحرب يجب أن يشمل لبنان. أما واشنطن فتبدو أكثر حذراً، لأن إدخال لبنان يعني عملياً تصادماً مع بنيامين نتانياهو، وهو ما قد يفتح خلافاً مع تل أبيب.
مضيق هرمز
ترامب يتحدث عن مضيق مفتوح «من دون رسوم». إيران تتحدث عن ترتيبات جديدة، ورسوم خدمات بحرية، وسيادة إيرانية. هنا لا يدور الخلاف حول فتح المضيق فقط، بل حول من يملك حق تنظيمه بعد الحرب.
الأموال المجمدة: دفع مسبق أم دفع مقابل أداء؟
تريد إيران الإفراج عن نصف الأموال المتداولة قبل بدء المفاوضات النهائية، باعتباره ضمانة سياسية واقتصادية. أما واشنطن فتتعامل مع الأموال كأداة ضغط، ولا تريد الإفراج عنها إلا تدريجياً وبعد التحقق.
العقوبات: تعليق فوري أم تخفيف مشروط؟
تقول إيران إن تعليق العقوبات النفطية والبتروكيميائية جزء من المذكرة. أما واشنطن فتربط أي تخفيف للعقوبات بالتزام إيران في المرحلة المقبلة، خصوصاً في الملف النووي.
البرنامج النووي: خفض التخصيب أم تعليق طويل؟
إيران تتحدث عن خفض التخصيب داخل أراضيها، بما يحافظ على أصل البرنامج. واشنطن تتحدث عن ضمانات طويلة الأمد، وربما تعليق للتخصيب 15 أو 20 عاماً، ومنع أي استخدام عسكري للقدرات النووية.
الصواريخ: خارج التفاوض أم مؤجلان؟
تقول طهران إن الصواريخ ودعم جماعات «المقاومة» مستبعدان نهائياً. لكن غياب نص أميركي منشور يجعل هذا البند غير محسوم، خصوصاً أنه يمثل مصدر قلق رئيسي لإسرائيل ولدوائر أميركية.
المقارنة تجري بين رواية إيرانية تفصيلية ورواية أميركية عامة. إيران تحاول تثبيت قراءة تقول إن المذكرة تعترف بمطالبها الأساسية: وقف الحرب على كل الجبهات، حفظ دورها في هرمز، الإفراج عن الأموال، واستبعاد الصواريخ ومصير الحلفاء من المناقشة. أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع الاتفاق كإطار أولي قابل للاختبار، وتصر على أن الأموال والعقوبات والتخصيب ستخضع لمبدأ التدرج والتحقق. لذلك، فإن الخلاف الحقيقي لا يكمن فقط في البنود، بل في وظيفة المذكرة نفسها: هل هي إعلان مبكر عن تسوية بشروط إيرانية، أم هدنة تفاوضية تريد واشنطن استخدامها لانتزاع تنازلات لاحقة؟
المصدر: البيان






