10:43 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

حين ينادي المنادي ولا أحد يسمع

كتب العميد الركن  د جوزف س. عبيد:

 حين ينادي المنادي ولا أحد يسمع...
في مسرحية " حكم الرعيان" يرتفع صوت المنادي صارخًا: "طلع لمنادي ينادي… وما بقى في إفادة، الرعيان بوادي والقطعان بوادي"، وكأنّ الرحابنة لم يكونوا يكتبون نصًا مسرحيًا بقدر ما كانوا يكتبون إنذارًا مبكرًا لانهيار الدول عندما تفقد البوصلة. هذه العبارة وحدها تختصر مأساة وطنٍ بكامله: صوت يحذر، خطر يقترب، وشعب يتوزّع بين اتجاهات متناقضة، فيما القيادة غائبة أو عاجزة أو منشغلة بصراعاتها.

المنادي في المسرحية ليس شخصًا عاديًا، بل هو ضمير الوطن الذي يحاول أن يوقظ الجميع قبل فوات الأوان. لكن المأساة تبدأ عندما يتحوّل النداء إلى صدى في الفراغ، فلا الرعيان يسمعون، ولا القطعان تتوقف، ولا أحد يريد أن يغيّر الاتجاه. هنا تظهر الحقيقة القاسية: ليست المشكلة في غياب التحذير، بل في غياب من يريد أن يسمع.

عند إسقاط هذا المشهد على الواقع اللبناني، يصبح النص الرحباني أشبه بمرآة موجعة. فالأصوات التي تنادي بالدولة كثيرة، والتحذيرات من الانهيار لا تتوقف، والصرخات تتكرر كل يوم، لكن البلاد تمضي في اتجاهات متناقضة. فريق يسير نحو صراع، وفريق يسير نحو تسوية، وفريق يسير نحو مصالحه الخاصة، بينما الوطن يقف في المنتصف كأنه ساحة مفتوحة لكل الرياح. في مثل هذا المشهد، يصبح المنادي شاهدًا على العجز الجماعي، لا صانعًا للتغيير.

الرحابنة أرادوا أن يقولوا إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي وطن هو أن يفقد القدرة على الاستماع لصوت العقل. فعندما ينفصل الرعيان عن القطعان، تنفصل القيادة عن الشعب، وتتحول الدولة إلى جسد بلا رأس، وتصبح القرارات ردود فعل بدل أن تكون رؤية. عندها لا يعود الانهيار مفاجئًا، بل يصبح نتيجة طبيعية لمسار طويل من التشتت والإنكار.

وإذا جمعنا حكم الرعيان مع ملوك الطوائف، تتكامل الصورة الرحبانية بشكل صادم: في ملوك الطوائف يتصارعون على السلطة، وفي حكم الرعيان يضيع الصوت الذي يحذر، وفي طارت الكرسي يسقط الحكم ويطير الكرسي. ثلاثية غير معلنة تقول بوضوح إن الوطن عندما ينقسم، والقيادة عندما تتشتت، والناس عندما لا تسمع، تكون النهاية سقوط الكراسي وضياع البلاد.

وهكذا تصيب العبارة الرحبانية في الصميم: ليس الخطر في العدو وحده، بل في وطنٍ يسمع المنادي ولا يتحرك، يرى الخطر ولا يغيّر المسار، ويترك نفسه يمضي نحو المجهول حتى يصبح النداء مجرد ذكرى، ويصبح الوطن مجرد حكاية تُروى.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o