لا يزال ما بين 30 و40 مقاتلاً من حزب الله، محاصرين داخل شبكة الأنفاق الممتدة تحت تلة علي الطاهر جنوب مدينة النبطية، منذ أكثر من شهر، وفقا لمصادر أمنية لبنانية خاصة تحدثت إلى "إرم نيوز"، مؤكدة أن الحزب يقف عاجزا أمام إحدى أعقد الأزمات الميدانية التي تواجهه منذ اندلاع الحرب الأخيرة.
وتؤكد المصادر المتابعة لتفاصيل هذه الأزمة، أن غالبية المحاصرين يتبعون لوحدة "بدر" المسؤولة عن إدارة القطاع العسكري الممتد من النبطية إلى إقليم التفاح، بينما يضم المجمع أيضاً عدداً من عناصر قوة "الرضوان" الذين كانوا مكلفين بتعزيز دفاعاته وحماية منشآته.
وتضيف أن المجموعة لا تزال تمتلك مخزوناً من المياه والأغذية والأدوية يسمح لها بالصمود لأسابيع، إلا أن الحزب، بحسب المعلومات المتوافرة، لم ينجح حتى الآن في تأمين ممر يتيح إخراجهم أو فك الطوق المفروض عليهم.
اختبار معقد
وتشير المصادر إلى أن هذه القضية لم تعد مجرد ملف يتعلق بعشرات المقاتلين العالقين تحت الأرض، بل تحولت إلى اختبار لقدرة حزب الله على حماية واحدة من أكثر منشآته العسكرية تحصيناً، بعدما نجحت إسرائيل، وفق تقديراتها، في عزل المجمع ومراقبة معظم مداخله، ما حوّل أي محاولة لإنقاذ من بداخله إلى مهمة شديدة التعقيد.
وتتقاطع هذه المعطيات مع تقارير إسرائيلية تحدثت عن أن المجمع الواقع تحت تلة علي الطاهر يمثل "مركز الأعصاب" لوحدة بدر، ويضم شبكة واسعة من الأنفاق والمنشآت المحصنة التي أُنشئت على مدى سنوات بدعم وخبرات إيرانية.
مقر قيادة لا مجرد نفق
وتؤكد المصادر الأمنية لـ"إرم نيوز" أن الخطأ الشائع يتمثل في التعامل مع تلة علي الطاهر باعتبارها مجرد نفق كبير، بينما الواقع أن الموقع عبارة عن منظومة عسكرية متكاملة تضم غرف قيادة واتصالات ومستودعات أسلحة وممرات تحت الأرض تربط بين عدة منشآت عسكرية، وهو ما يفسر الأهمية الاستثنائية التي يوليها حزب الله للدفاع عن المنطقة.
وتشير المصادر إلى أن هذا المجمع كان يشكل أحد أهم مراكز إدارة العمليات في منطقة النبطية، كما استخدم خلال الأشهر الماضية لتنسيق انتشار الوحدات العسكرية وإدارة التحركات الميدانية بعيداً عن أعين الطائرات الإسرائيلية.
وتقول تقديرات إسرائيلية إن بعض الأنفاق داخل المجمع يمتد لأكثر من كيلومتر، فيما تتصل به شبكة فرعية من الممرات المحصنة التي تسمح بالحركة والإمداد حتى أثناء القصف المكثف.
كيف وجدوا أنفسهم داخل الحصار؟
وفق المعلومات المتقاطعة، بدأت معركة تلة علي الطاهر مع توسع العمليات العسكرية في محيط كفرتبنيت خلال يونيو/ حزيران الماضي، حيث اضطر عدد من عناصر الحزب الموجودين في المواقع السطحية إلى الانسحاب نحو المنشآت الواقعة تحت الأرض مع اشتداد الغارات والاشتباكات.
وتوضح المصادر الأمنية اللبنانية أن المقاتلين لم يدخلوا الأنفاق هرباً من الحصار، بل كانوا متمركزين فيها أصلاً لأنها تمثل مركز قيادة وتمركز دائماً. لكن مع اتساع السيطرة النارية الإسرائيلية على المنطقة، تحولت شبكة الأنفاق تدريجياً إلى جيب معزول، بعدما أُغلقت بعض المداخل، وأصبحت مخارج أخرى تحت مراقبة مستمرة.
وتقدر المصادر أن الجيش الإسرائيلي فضّل، تطويق فتحات الأنفاق واستنزاف من بداخلها، بدلاً من خوض معركة مباشرة داخل ممرات ضيقة ومحصنة، وهو تكتيك يقلل خسائره ويُبقي الضغط قائماً على الحزب.
بدر أم الرضوان؟
ورغم تداول اسم قوة "الرضوان" على نطاق واسع خلال الأيام الماضية، فإن المصادر الأمنية تؤكد أن غالبية المحاصرين يتبعون تنظيمياً لوحدة بدر، بينما يضم المجمع عدداً من عناصر الرضوان الذين كانوا يؤدون مهام قتالية وأمنية داخله.
وتوضح المصادر أن وحدة بدر تتولى إدارة القطاع الجغرافي والإشراف على البنية العسكرية في منطقة النبطية، فيما تُعد الرضوان القوة النخبوية المكلفة بالعمليات الخاصة والاقتحام، الأمر الذي يجعل وجود عناصر من الوحدتين داخل هذا المجمع أمراً منسجماً مع طبيعته ودوره العسكري.
حصار بلا نهاية قريبة
ولا تزال الروايات بشأن مصير هؤلاء المقاتلين متباينة. ففي حين تحدثت تقارير إسرائيلية عن تراجع المؤن داخل الأنفاق، تؤكد المصادر الأمنية اللبنانية أن المخزون المتوافر يسمح لهم بالبقاء فترة أطول، ما يعني أن المعركة تحولت إلى حرب استنزاف أكثر منها محاولة اقتحام سريعة.
وفي المقابل، يواصل حزب الله نفي الرواية الإسرائيلية بشأن السيطرة الكاملة على تلة علي الطاهر، من دون أن يقدم توضيحات بشأن المعلومات المتداولة حول وجود مجموعة محاصرة داخل المجمع.
وبين الروايتين، تشير المصادر الأمنية إلى أن المعطيات المتوافرة لديها تفيد بأن إسرائيل نجحت في عزل جزء من البنية العسكرية الأكثر حساسية التابعة لوحدة بدر، بينما يواجه حزب الله تحدياً متزايداً في منع تحول هذا المجمع الاستراتيجي إلى واحدة من أكبر خسائره العسكرية والتنظيمية في جنوب لبنان منذ اندلاع المواجهات الأخيرة.






