كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:
ألم يحن الوقت بعد؟
ألم يحن الوقت لنقول: أنا لبناني، قبل أن نقول أنا مسيحي أو مسلم، شيعي أو سني أو درزي؟
ألم يحن الوقت لنتذكر أن البلدة التي تجمعنا أوسع من الحي الذي يفرقنا، وأن الوطن أكبر من الطائفة، وأن العلم الذي يرفرف فوق رؤوسنا يجب أن يكون أقوى من أي راية أخرى؟
للأسف، كل يوم يمر يزداد الانقسام العمودي بين اللبنانيين. لم تعد الخلافات سياسية فقط، بل أصبحت تدخل إلى البيوت والمدارس والجامعات وأماكن العمل، حتى بات كثيرون يعرفون أنفسهم من خلال انتمائهم الطائفي قبل انتمائهم الوطني.
لكن هل يمكن لوطن أن يبقى إذا تحولت كل طائفة إلى وطن صغير؟
الوطن الحقيقي لا يقوم على توزيع الولاءات، بل على توحيدها. والمواطنة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل ثقافة تُمارس كل يوم. أن تكون مواطنًا يعني أن يكون القانون مرجعك، لا الزعيم. وأن يكون حقك مستمدًا من الدستور، لا من الواسطة. وأن ترى في ابن الطائفة الأخرى شريكًا في الوطن، لا خصمًا أو منافسًا.
المواطنة الصادقة تعني أن نحزن على أي مظلوم، مهما كان انتماؤه، وأن نفرح لأي نجاح يحققه لبنان، لا أي فريق فيه. وتعني أن ندافع عن المال العام لأنه مالنا جميعًا، وأن نحارب الفساد لأنه يسرق مستقبل أولادنا جميعًا، وأن نرفض التحريض لأنه يحرق البيت الذي نسكنه جميعًا.
لا أحد يطلب من اللبناني أن يتخلى عن دينه أو طائفته أو تقاليده. فهذه جزء من هويته وتاريخه. لكن المطلوب أن تبقى الطائفة مساحة إيمان وانتماء اجتماعي، لا أن تتحول إلى جدار يفصل اللبناني عن أخيه اللبناني.
لقد أثبتت التجارب أن الطوائف وحدها لا تبني دولة، كما أن الشعارات وحدها لا تصنع مستقبلًا. ما يبني الدول هو مواطن يؤمن أن حقوقه وواجباته لا تتغير بتغير مذهبه أو منطقته، وأن العدالة لا تعرف اسم العائلة ولا لون الهوية.
ربما آن الأوان لنؤسس، ولو فكريًا وأخلاقيًا، "جبهة لبنان وطني"؛ جبهة لا تقوم على مواجهة طائفة بطائفة، بل على جمع اللبنانيين حول فكرة واحدة: لبنان أولًا... الإنسان أولًا... والمواطنة أولًا.
جبهة يكون الانتماء إليها مفتوحًا لكل من يؤمن بأن مستقبل أولاده أهم من مصالح السياسيين، وأن العيش معًا ليس تسوية مؤقتة، بل خيارًا دائمًا، وأن قوة لبنان لا تكون بكثرة خطوط الانقسام، بل بقوة الرابط الذي يجمع أبناءه.
قد يختلف اللبنانيون في السياسة، وهذا طبيعي، لكن يجب ألا يختلفوا على الوطن. فالوطن ليس وجهة نظر، وليس ملكًا لفئة دون أخرى، بل هو البيت المشترك الذي إذا انهار، لن يبقى سقف يحمي أحدًا.
فلنلتقِ على كلمة واحدة قبل أي كلمة أخرى: أنا لبناني.
عندما تصبح هذه العبارة هي التعريف الأول لكل واحد منا، سنكون قد وضعنا الحجر الأول في بناء دولة المواطنة الحقيقية... الدولة التي لا يُسأل فيها الإنسان: من أي طائفة أنت؟ بل: ماذا قدمت لوطنك؟






