Apr 16, 2026 12:16 PMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

ما وراء الحدث

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س. عبيد:

 حين لا يكون الظاهر هو الحقيقة في عالم السياسة والصراعات المفتوحة، ما يظهر على السطح من أحداث لا يكشف دائمًا جوهر الحقيقة. فالحروب، والمفاوضات، والتصعيد، والتهدئة، ليست سوى الجزء المرئي من مشهد أعمق بكثير، تُصاغ تفاصيله في طبقات خفية، بعيدًا عن أعين الناس، حيث تُرسم قواعد اللعبة الحقيقية.

في الطبقة الأولى، يرى الناس الأحداث اليومية: حربًا تتصاعد، أو مفاوضات تتعثر، أو تهدئة مفاجئة. لكن هذه المشاهد، رغم شدّتها، لا تمثل إلا سطح المشهد، تمامًا كما لا يمثّل الموج المتلاطم حقيقة البحر العميق.

أما في الطبقة الأعمق، فالأمر لا يتعلق بمن ينتصر أو يخسر في لحظة معينة، بل بمن يملك القدرة على تعريف الواقع نفسه. من هو المعتدي؟ من هو المدافع؟ من هو الضامن؟ ومن هو المهدد؟ في هذا المستوى، تصبح القوة الحقيقية ليست فقط في السلاح، بل في القدرة على صياغة الرواية التي يصدّقها العالم، بل ويعيش على أساسها أطراف الصراع أنفسهم.

وفي هذا السياق، لا تُفهم الحرب كغاية بحد ذاتها، بل كأداة ضمن مسار تفاوض طويل. فهي رسالة مشفّرة تُستخدم لرفع سقف الشروط أو خفضه، وليست بالضرورة محاولة لحسم نهائي. لذلك، كثير من النزاعات الطويلة لا تنتهي بانتصار واضح، بل بإعادة ضبط متكررة للتوازن، حيث يتم تغيير قواعد الاشتباك دون إنهاء أصل الصراع.

أما في الطبقة الأعمق من ذلك، فإننا نصل إلى ما يمكن تسميته “نظام إدارة الأزمات”، حيث لا يكون الهدف إنهاء الصراع بشكل كامل، بل ضبطه ومنع انفجاره الشامل. في هذا الإطار، تتحرك القوى الكبرى وفق حسابات دقيقة، لا تبحث دائمًا عن الحسم، بل عن الاستقرار الممكن ضمن حدود مصالحها. وهكذا تتحول مناطق كثيرة في العالم إلى ساحات تُدار فيها التوازنات بدل أن تُحل فيها النزاعات.

ومن هنا، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل ما نراه هو الحقيقة، أم ما يُراد لنا أن نراه؟ ففي كثير من الأحيان، لا تكون الصورة التي تصل إلى الناس انعكاسًا مباشرًا للواقع، بل نتيجة عملية دقيقة من الاختيار والتضخيم والتخفيف، تهدف إلى تشكيل إدراك معين، يجعل الجماهير ترى ما يتناسب مع سياق الصراع، لا مع حقيقته الكاملة.

وهنا نصل إلى السؤال الأهم: كيف تُصنع القرارات الكبرى خلف الكواليس؟ ومن يحدد فعليًا لحظة الحرب أو لحظة التهدئة؟

في الواقع، هذه القرارات لا تُصنع في لحظة واحدة، ولا بيد طرف واحد. بل هي نتاج تفاعل معقد بين عدة مستويات:

- قوى دولية كبرى تمتلك أدوات الضغط والتأثير.

- أطراف إقليمية تتحرك ضمن هوامش مصالحها وأمنها.

- قوى محلية تعكس توازنات الداخل وتدافع عن وجودها.

- وشبكة مصالح اقتصادية وأمنية وإعلامية متداخلة.

قرار الحرب أو التهدئة ليس قرارًا منفردًا، بل نتيجة “تقاطعات” تصل في لحظة معينة إلى نقطة يسمح فيها النظام الإقليمي أو الدولي بالتصعيد أو يفرض التهدئة.

لكن الأخطر من ذلك، أن ما يُعرض على الناس ليس دائمًا انعكاسًا دقيقًا لهذه الحسابات. فجزء كبير من إدارة الصراع يقوم على تشكيل الوعي العام، عبر إعلام ورسائل سياسية متناقضة، تجعل الجمهور يرى جزءًا من الحقيقة، أو نسخة منها، أو أحيانًا نقيضها. وهكذا لا يعود الإدراك الجماعي مرآة للواقع، بل جزءًا من أدوات الصراع نفسه.

في النهاية، ليست القضية فقط من يربح أو يخسر، بل من ينجح في تثبيت روايته عن الواقع. وفي عالم كهذا، تصبح الحقيقة أحيانًا ليست ما يحدث فعلاً، بل ما يُقنع الناس بأنه حدث.

وهنا تكمن خطورة المرحلة: حين يصبح إدراك الشعوب جزءًا من ساحة المعركة، لا مجرد شاهد عليها.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o