أزيحت الستارة عن لوحة تذكارية تحمل اسم القاضي الراحل عبد الرزاق أديب في إحدى ساحات وسط مدينة طرابلس، تخليدا لمسيرته القضائية الحافلة وتكريما لرجل شكل نموذجا للنزاهة والاستقامة، وأحد أبرز رموز العدالة في لبنان والذي جعل من هذه العدالة رسالة ومن خدمة الوطن أمانة، وليبقى اسمه شاهداً على مسيرة من العطاء والالتزام والوفاء للقانون.
وجاءت هذه المبادرة من بلدية طرابلس، تقديرا لعطائه الممتد على مدى نحو أربعة عقود في خدمة السلطة القضائية، وإيمانا بأهمية تكريس قيم سيادة القانون واستقلال القضاء، وترسيخ ثقافة الوفاء لمن أفنوا حياتهم في خدمة العدالة والمصلحة العامة ومدينته طرابلس.
حضر الاحتفال النائب اللواء اشرف ريفي، النائب السابق رامي فنج، عضو مجلس بلدية طرابلس الدكتور باسم عساف ممثلا رئيس البلدية الدكتور عبد الحميد كريمة، عقيلة المكرم السيدة علا منح عدره، ممثلون عن القيادات الروحية الاسلامية والمسيحية، الى جانب حشد من الشخصيات السياسية والقضائية والنقابية والروحية والعسكرية والاجتماعية، ورؤساء بلديات حاليين وسابقين ومخاتير واعضاء من المجتمعين المدني والاهلي وأفراد عائلة المكرم.
بداية النشيد، ثم القى منح اديب نجل الراحل كلمة قال فيها:" أقف اليوم أمامكم بكل فخر واعتزاز في هذه المناسبة التي نكرّم فيها رجلاً ترك بصمةً مشرقةً في القضاء والعدالة، الوالد القاضي عبدالرزاق أديب رحمه الله. عندما كنت صغيرا، كنت أراه يسهر لساعات طويلة في مكتبه الخاص في المنزل، فيما كان الجميع نياماً والهدوء يلف المكان. كان منهمكاً في قراءة الملفات وكتابة الأحكام بكل دقةٍ وتأنٍ. وكنت أسأله: "يا والدي، لماذا تسهر كل هذه الساعات؟ فكان يجيبني قائلاً: "يا ولدي، أصعب شيء في الدنيا أن تصوغ حكماً بين الناس. فالقاضي لا يُحاكم أمام محكمة الأرض فقط، بل أمام محكمة السماء أيضاً. ومحكمة السماء هي الأعدل والأعظم." وكان يقول لي: "كانت يدي ترتجف أحياناً وأنا أكتب الحكم، خوفاً من الله تعالى أن أظلم إنساناً أو أُضيّع حقاً. لذلك كنت أحرص على تحقيق العدل والصلح بين الناس، لأن راحة الضمير لا تُشترى، ولأن العدل أساس الملك".
اضاف: " كان أحب على قلبه أن يحكم بالصلح بين الناس ويحافظ على أتعاب المحامين كي يكون أكثر عدلاً ومرتاح الضمير. لقد آمن الوالد بأن القضاء رسالة قبل أن يكون وظيفة، وأن العدالة مسؤولية أخلاقية وإنسانية عظيمة، فكرّس حياته لخدمة الحق وإحقاق العدل بين الناس. ومن هنا، فإن تسمية هذه الساحة باسم القاضي عبدالرزاق أديب ليست مجرد تكريم لشخصه، بل هي تكريم لقيم العدالة والنزاهة والإنصاف التي عاش من أجلها ودافع عنها طوال حياته".
وتابع: " أتوجه بخالص الشكر والتقدير لكل من ساهم ووقف ودعم هذه المبادرة الكريمة، ولكل من عمل على تخليد ذكرى هذا الرجل الذي بقي اسمه مرتبطاً بالعدل والضمير الحي وخدمة المجتمع. رحم الله القاضي عبدالرزاق أديب، وجعل سيرته الطيبة نبراساً للأجيال القادمة. من هذه الساحة، نعلن إطلاق مسابقة وطنية بين جامعات مدينة طرابلس، يشارك فيها الجيل الصاعد لتصميم أول نصب تذكاري للعدالة في لبنان. وستتولى لجنة تحكيم متخصصة اختيار أفضل فكرة، لتتحول إلى معلم وطني يجسد قيمة العدالة وسيادة القانون".
وختم: " إننا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى العدالة؛ لأنها الأساس الذي تُبنى عليه الأوطان، وتُصان به الحقوق، ويُستعاد من خلاله الأمل بمستقبل أفضل للبنان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".






