10:06 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

لبنان بين ارتهان الأحزاب ورهان الأكثرية على الدولة!

كتب العميد الركن المتقاعد جوزف س.عبيد

إزاء تفاقم الأوضاع ووصول لبنان إلى حافة الانهيار، ما زال كل فريق سياسي يراهن على فريق أو محور خارج لبنان، وكأن الحل لا يأتي إلا من وراء الحدود. ويصدق في ذلك المثل الشعبي: "الكنيسة القريبة ما بتشفي."

لكن الحقيقة أن الكنيسة القريبة موجودة، وهي الجيش اللبناني؛ المؤسسة الوطنية التي لا تنتمي إلى محور ولا إلى حزب، والتي تبقى القادرة على حماية الجميع، وصون وحدة البلاد، ومنع سقوطها في الفوضى عندما تعجز القوى السياسية عن إيجاد الحلول.

فالأحزاب اللبنانية، رغم حضورها السياسي والإعلامي الكبير، لا تمثل بالضرورة غالبية الشعب اللبناني. فقد أظهرت دراسة إحصائية أُجريت في مرحلة سابقة حول حجم الانتساب إلى الأحزاب المسيحية أن نسبة الحزبيين المنظمين لم تتجاوز 17% من الشريحة التي شملها الإحصاء، ما يعني أن الأكثرية بقيت خارج الأطر الحزبية.

وهذا الواقع لا يختلف كثيرًا عن المشهد الوطني العام؛ إذ إن الانتساب الحزبي الفعلي يبقى محدودًا مقارنة بحجم الشعب اللبناني، فيما هناك أكثرية واسعة من اللبنانيين غير المنتمين إلى أي حزب. وهذه الأكثرية، التي لم تكن شريكة في كثير من القرارات والخيارات السياسية، هي التي دفعت الثمن الأكبر نتيجة صراعات الأحزاب وارتهاناتها، فتحملت أعباء الانهيار الاقتصادي، وتراجع مستوى المعيشة، والخوف على الأمن والمستقبل.

فليس كل من يصوّت لحزب هو حزبيًا، وليس كل من ينتمي إلى بيئة سياسية أو طائفية هو عضوًا في تنظيم حزبي. لذلك فإن الخلط بين التأييد الشعبي والانتساب الحزبي أعطى بعض القوى حجمًا أكبر من حجمها الحقيقي.

ولعلّ المفارقة الكبرى أن ما يطالب به اللبنانيون اليوم ليس فكرةً جديدة، بل هو الحلم نفسه الذي حمله الطوباوي البطريرك الياس الحويك قبل أكثر من قرن، عندما ناضل من أجل قيام لبنان الكبير، لا بوصفه مساحة جغرافية فحسب، بل دولةً لجميع أبنائها، تقوم على المواطنة والشراكة، لا على الغلبة والارتهان. وقد لخّص رؤيته عندما دعا اللبنانيين إلى أن تستبدل الوطنية السياسية الوطنية الدينية، وأن يكون الانتماء إلى الوطن فوق كل انتماء آخر، كما دعا إلى احترام جميع المواطنين ومحبتهم مهما اختلفت معتقداتهم، لأنهم أبناء وطن واحد يعيشون تحت سماء واحدة.

وبعد أكثر من مئة عام، يبدو أن الزمن تغيّر، لكن المشكلة بقيت نفسها. فما زال لبنان يدفع ثمن الانقسامات الداخلية والرهانات الخارجية، فيما الدولة التي حلم بها الحويك لم تكتمل بعد، لأن الأحزاب تقدّمت على الدولة، والمحاور تقدّمت على الوطن، والولاءات الخارجية تقدّمت على الولاء للبنان.

هذه الأكثرية لا تطلب أكثر من دولة تحميها، وقانون يُطبّق على الجميع، ومؤسسات لا تخضع للمحاور ولا للحسابات الخارجية. ومن هنا يصبح الرهان على الجيش اللبناني رهانًا على المؤسسة التي تجمع اللبنانيين ولا تفرّقهم؛ فهو القادر على حماية الوطن والمواطنين، ومنع انزلاق البلاد إلى الفوضى.

فالجيش ليس طرفًا سياسيًا، ولا أداة انتقام، بل هو صمام الأمان الذي يحفظ الدولة عندما تضعف مؤسساتها. وهو القادر على حماية الجميع، حتى الذين أخطأوا في حساباتهم السياسية، لأن دوره ليس الانتقام، بل إنقاذ الوطن.

وربما يكون حلم اللبنانيين اليوم بسيطًا وواضحًا: أن تصبح الدولة أقوى من الجميع، وأن يصبح القانون فوق الأحزاب، وأن يُحاسَب كل من أساء إلى لبنان أو ساهم في إيصال البلاد إلى هذا المستنقع، أيًا كان اسمه أو موقعه أو انتماؤه.

فما بدأه الطوباوي البطريرك الياس الحويك قبل أكثر من مئة عام لم يكن مشروع حدود، بل مشروع دولة. واليوم، لم يعد لبنان بحاجة إلى من يكبّر مساحته، بل إلى من يكبّر دولته، ويعيد للمواطن ثقته بها، ويجعل الجيش والقانون والمؤسسات المرجعية الوحيدة فوق الجميع. فعندما تصبح الدولة هي الرهان الأول والأخير، يصبح لبنان أكبر من الأحزاب، وأقوى من المحاور، وأبقى من كل الارتهانات.

 

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o