كتبت الدكتورة زينة منصور
أبعد من كونه وثيقة تقنية لإرساء سلام بارد، أو صيغة مؤقتة لتهدئة عابرة على خطوط التماس، يأتي "اتفاق الإطار" اللبناني-الإسرائيلي، برعاية وضمانة أميركية استثنائية، ليمثل لحظة مكاشفة وجودية تعيد صياغة الجغرافيا السياسية لبلد منهك. إن هذا الاتفاق لم يكتفِ بتحريك الركود الدبلوماسي، بل أحدث صدمة ارتدادية في وعي النخبة والشارع على حد سواء، مفجراً كباشاً فكرياً وسياسياً عميقاً يمس جوهر المفاهيم البنيوية للدولة: السيادة، احتكار السلاح، وهيكلية الردع.
في القراءة السياسية لهذا التحول، يبدو أن الاتفاق قد نجح في تفكيك "الأطروحات الجامدة" التي حكمت المشهد اللبناني لعقود. إنه يضع الدولة اللبنانية أمام معضلة هوبزية بامتياز (نسبة إلى توماس هوبز)؛ حيث تتنازع الإرادات بين البقاء في "حالة الطبيعة" المحكومة بالردع المتبادل والميدان المشتعل، وبين الانتقال إلى "الحالة المدنية" عبر عقد دولي يضمن الإستقرار الإقليمي، لكنه يفرض شروطه القاسية على بنية القوة الداخلية.
هندسة الإصطفاف ووهم "الإرادة الجماعية"
لقد أعادت هذه اللحظة المفصلية فرز القوى المحلية هندسياً إلى معسكرين لا يلتقيان، في مشهد يجسد انقساماً حول الهوية السياسية والإستراتيجية للبنان المستقبلي:
1- المعسكر البراغماتي (دعاة العقد المصلحي): وتقوده قوى مثل القوات اللبنانية، الكتائب، الأحرار، وحزب الحوار، مدعومين بتكتلات من النواب السنة والتغييريين والمستقلين. ينطلق هذا التيار من واقعية سياسية تفترض أن السيادة لا تتحقق في معزل عن الأمن والإستقرار الإقتصادي وتثبيت الحدود بضمانات دولية. يرى هؤلاء في الإتفاق مخرجاً إلزامياً لفك ارتباط "البلد الرهينة" بالأزمات الإقليمية، مدفوعين بالرغبة في الإنتقال إلى دولة الرفاه وجذب الاستثمارات الحيوية.
2- المعسكر الراديكالي (حراس الإيديولوجيا والردع): ويضم تحالفاً عريضاً يجمع حزب الله، حركة أمل، الحزب التقدمي الإشتراكي، التيار الوطني الحر، الحزب السوري القومي الإجتماعي، والحزب الديموقراطي اللبناني، بظهير من قوى يسارية وإسلامية. يتخندق هذا المحور خلف هواجس "التطبيع المقنع" وتجريد الدولة من أوراق قواها الميدانية. بالنسبة لهم، فإن الإتفاق يمثل تنازلاً عقائدياً يمس بـ"ميتافيزيقا المقاومة" ومعادلات الردع، خصوصاً في ظل غياب آليات أميركية قاطعة تلزم إسرائيل بالإنسحاب الشامل.
ومع ذلك، فإن المفارقة الساطعة التي كشفتها الأرقام واستطلاعات الرأي (ولا سيما إحصائية "الدولية للمعلومات") تقدم قراءة مغايرة لمفهوم جان جاك روسو حول "الإرادة العامة". لقد تبدى شرخ عميق بين الإيديولوجيا الحزبية والمصلحة الحيوية للقواعد الشعبية.
هذا التشظي الإحصائي ينزع الصبغة الحزبية والمناطقية عن السجال، ليعيده إلى مربعه النقدي الفطري الأول: إنها رغبة الإنسان العفوية في الخروج من دائرة الخوف الدائم نحو أفق الحياة والإزدهار.
جدلية الأرض والسلاح: ميزان الفرص والألغام
ينطوي الإتفاق على تفاعل جدلي "ديالكتيكي" بين مكاسب ملموسة وألغام وجودية. من جهة، تبرز نقاط القوة في تأمين إعتراف مؤسساتي ودولي بهدنة طويلة ووقف الحرب وبالحدود اللبنانية برعاية القوة العظمى، ما يعيد صياغة "المجال الأمني" للبنان، ويمنحه الشرعية القانونية اللازمة للتحول إلى دولة منتجة للنفط والغاز عبر استقطاب الكارتيلات العالمية. إنه يمثل كبحاً دبلوماسياً عاجلاً للتوغل الميداني الإسرائيلي، وفرصة لالتقاط الأنفاس في بلد شارف على التلاشي الهيكلي.
أما على المقلب الآخر، فتتدفق الثغرات والمخاطر لتنذر باهتزاز الإستقرار الداخلي. يصطدم الإتفاق بمعادلة حرجة تقايض "الأرض بالسلاح"، وتسعى لفرض احتكار الدولة للقوة ونزع السلاح غير الشرعي كحصاد سياسي مباشر لنتائج الحرب. وفي غياب إجماع محلي، فإن هذا الشرط يهدد بنقل الصدام من الحدود الدولية إلى الشوارع الداخلية. يضاف إلى ذلك معضلة "الضمانة الأميركية"؛ إذ تفتقر تاريخياً في الوجدان المشرقي إلى البعد الأخلاقي الملزم، مما يجعل الإتفاق معلقاً على حافة التآكل أمام أي تغيير في موازين القوى الميدانية أو التوازنات في واشنطن.
المسارات المستقبلية: ثلاثة سيناريوهات أحلاها مرّ
أمام هذا الإنقسام العامودي، يتأرجح مستقبل لبنان بين ثلاثة مسارات تحاكي السيناريوهات الإنعطافية الكبرى:
1- التمرير البراغماتي (الواقعية السياسية): صياغة تسوية تقنية تضمن إنتشار الجيش اللبناني بسلطة سيادية كاملة على الحدود واستثمار الثروات، لقاء هدنة طويلة الأمد برعاية دولية، وهو ما يعني تحييد لبنان واقعياً عن الصراعات الكبرى.
2- الصدام الداخلي (انفجار العقد الإجتماعي): محاولة فرض بنود الاتفاق بالقوة الإلزامية وتحديداً ما يتعلق بتقييد حركة التنظيم المسلح جنوباً، مما قد يجر البلاد إلى مواجهة أهلية تعيد إنتاج مآسي الماضي.
3- الشلل والتعطيل (الانتظار العبثي - وهو الأرجح): تجميد الاتفاق في دهاليز المؤسسات الدستورية المتهالكة، وتحويله إلى ورقة تفاوضية إقليمية بانتظار تصاعد الدخان الأبيض من موقدة التسوية الكبرى بين واشنطن وطهران.
نحو عقلانية لبنانية
إن القيمة الحقيقية لـ "اتفاق الإطار" لا تكمن في الحبر الذي كُتبت به نصوصه، بل في مدى قدرة العقل السياسي اللبناني على استيعابه دون السقوط في فخ الإقتتال والتخوين المتبادل. إن نقل هذا النقاش المصيري من الشارع المشحون بالغرائز إلى قبة البرلمان يمثل فرصة نادرة لإعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية التي أفرغت من معناها.
مع ذلك، لا يمكن التغاضي عن الخطيئة البنيوية التي ترتكبها النخب اللبنانية، والمتمثلة في الإرتهان المطلق لـ "الآخر الإمبراطوري" والأجندات الخارجية الإقليمية. إن الاستمرار في تسييس الملفات الوجودية وتصفية الحسابات الداخلية الضيقة على حساب المصلحة اللبنانية العليا، هو تجسيد لغياب "الوعي بمستقبل الكيان والدولة".
إن المصلحة اللبنانية تقتضي الكف عن التعامل مع هذا الإتفاق كأداة لإستقواء فريق على آخر، أو لكسر عظم الشريك في الداخل. إنه، فرصة تاريخية لإنتاج "عقد شجاع؛ عقد سلام ودفاع، وإقتصاد متطور"، يزاوج بذكاء بين متطلبات السيادة والأمن وحماية الثروات الطبيعية، وبين واقعية التوازنات الكبرى والعلاقات الدولية. البديل عن الاحتكام إلى عقلانية السلام والمؤسسات في هذه اللحظة الحرجة، لن يكون سوى المضي قدماً نحو إنتحار جماعي معلن.. وفي أمثولات التاريخ، فإن الأمم التي ترفض صياغة عقودها الشجاعة بملء إرادتها وبحرية، تُكتب عقودها بأيدي الراسمين الدوليين والطامعين وادواتهم الداخلية والخارجية.






